فُجع طلاب وطالبات الثانوية العامة برأس الخيمة صبيحة الخامس عشر من يناير من نتائج الامتحانات التي كانت كابوساً مخيفاً وأمراً مُحبطاً بالنسبة لهم بعد أن ضلوا خارطة الطريق إلى النجاح بفعل فاعل، مشيرين بأصابع الاتهام إلى وزارة التربية والتعليم. وتعددت المشاهد المرة التي أفرزتها قرارات وسياسة الوزارة تجاه معايير الامتحانات وخاصة الثانوية التي صدمت المتفوقين قبل غيرهم بالنتائج المخيبة للآمال والتوقعات كثيرة، والتي كانت أشبه بشبح تسونامي أو هيروشيما الثانوية العامة كما وصفتها إحدى الطالبات.
ما دفعني إلى الكتابة عن هذا الموضوع هو تأثري بأمهات يبكين ألماً عبر أثير البث المباشر في إذاعات الدولة على مستقبل أبنائهن المتفوقين من تلك النتائج السلبية إلى جانب المكالمات والشكاوى التي تلقيتها من قبل أولياء الأمور والطلاب أنفسهم، ومن بين تلك الشكاوى رسالتان مؤثرتان عبر البريد الإلكتروني من طالبتين متفوقتين ارتأيت أن أنقلهما وأضعهما في ملعب المسؤولين وأصحاب القرار، أملاً في مبادرةٍ فعليةٍ حقيقيةٍ من شأنها إصلاح ما يمكن إصلاحه كي تعود الأمور إلى نصابها.
الرسالة الأولى معنونة باسم مواطنة مخلصة، طالبة في إحدى مدارس رأس الخيمة الثانوية، تقول: «لقد حل صباح الخميس ويا ليته لم يأت، فقد حمل في طياته الحزن والكآبة وخيبة الأمل.. منذ أن حل ذاك الصباح تحطمت آمالنا ودُمرت طموحاتنا، فكل الأهداف التي وضعناها والجهود التي بذلناها والليالي التي سهرناها لم تأت بنتيجة، فقد تسلمنا الشهادات وكأننا استلمنا رسالة تعزية، فالدموع قد ملأت العيون.
والقلوب انتفضت بلا شعور والجميع أبدى استياءه من الدرجات راجين أن تتم إعادة النظر في الأوراق الامتحانية والبحث عن حل للأزمة الراهنة التي تعود بالضرر لأبناء الدولة الأوفياء، الذين بذلوا قصارى جهدهم من أجل الحصول على نتيجة ترفع الهمم لخدمة الوطن والسعي لتطوره وازدهاره، ولكن يا وطني الغالي هذا عهد مني بأن أبقى مخلصة وأبذل المزيد من الجهد، ولكن آمل بأن لا تواجهنا عقبات في رفعتك ونسأل الله التوفيق والسداد، وأن تصل رسالتي إلى من يهمه أمر وشأن أبناء الوطن».
أما الرسالة الثانية فجاءت من طالبة أخرى بإحدى مدارس الثانوية برأس الخيمة، واختارت لها عنوانا هو (هيروشيما الثانوية العامة) تقول فيها: (صدمنا لما رأيناه من امتحانات تعجيزية ينقصها الوقت الكافي، والتي صحبتها نتائج مخزية للغاية.. كانت أوراقنا ما بين الثماني صفحات إلى أربع عشرة صفحة، والوقت بين الساعتين والثلاث ساعات إن استدعى الأمر كما كانوا يقولون، لقد كنا في أمس الحاجة إلى الوقت لكن حكم القوي على الضعيف فرضينا وسكتنا.
لقد غرسوا فينا خيبة الأمل والإحباط المتواصل مع كل امتحان، والآن جاء وقت الحصاد وهو في العادة جني الثمار، أما نحن فقد جنينا كعك المهزلة، صدمنا وجرحنا بعد 13 عاما من الدراسة.. حرمنا الوقت الكافي والأسئلة المباشرة.. منحنا الأسئلة المعقدة التعجيزية التي تتطلب وقتا أكبر للبحث عن الإجابة ولكن أين الإجابات؟ إنها مختبئة بين مواضيع الفهرس. ما ذنبنا، هل لأننا درسنا أم لأننا اخترنا القسم العلمي؟!
إنني متأكدة من أن الأسلوب الحسن هو الذي سيصل إلى المسؤولين أما الصراخ فلن يجدي ولن ينفع، فلقد كوفئنا بعد السهر والتعب بالرسوب الفادح، ففي مادة اللغة الإنجليزية كانت درجاتي منذ أن درست وتعلمت في التسعينات وإن نقصت فإنها لا تتعدى 85، أما الآن فإني مصدومة من اختبار الإنجليزي الذي كانت فقراته غامضة وتحتاج إلى قراءة متأنية تصل إلى 8 مرات حتى نستوعبها، لقد شعرت بأني أتصفح مجلة انجليزية ليست في مستوانا، فالوقت ليس كافيا وعدد الصفحات 14،، أجبت عن بعض الأسئلة أما الأخرى فتركتها على أن أعود إليها مرة أخرى، ولكن ما أن وصلت للصفحة الثانية عشرة فوجئت بأن الوقت المتبقي عشر دقائق وهناك موضوعان لم أنتهِ من كتابتهما بعد، حاولت الرجوع إلى ما تركته لكن الوقت انتهى، ولم أتمكن من حل الأسئلة لأتأكد بالفعل أنني راسبة في هذه الورقة.
إن صراخنا وبكاءنا لن ينفعا، فنحن جيل واع نعرف كيف نأخذ حقوقنا بالكلمة الطيبة على الرغم من رسوبنا بالست والخمس والأربع مواد عند استلام شهاداتنا لتتسلل إلى قلوبنا مشاعر الإحباط والحزن وخيبة الأمل، فعلى أي نسبة سنحصل وإلى أين سنذهب بهذه النسب؟ إننا نطالب بإلغاء نظام التصحيح المتبع لاختلاف طرق التدريس بين معلمة وأخرى وإلغاء الامتحانات، كذلك أو إلغائنا نحن من المجتمع فلا حاجة لإكمال الفصل الثاني.. إننا نطالب مسؤولينا بتدخل سريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحسبنا الله ونعم الوكيل).
انتهت الرسالتان وهما في غنى عن أي تعليق، لكنني أذكّر بعض المسؤولين في وزارة التربية والتعليم بأن عالِماً اعتلى أحد منابر العلم، فسُئل عن مسألة، فقال: لا أعرف.. الله أعلم، فقيل له باستهزاء: هذا المنبر لا يرقاه الجهلاء، فرد عليهم متواضعاً: إنما علوتُ بقدر علمي ولو علوتُ بقدر جهلي لبلغت عنان السماء! ففي رد العالِم المتواضع دليل قاطع بأن الإنسان مهما بلغ من العمر عتيا واشتعل رأسه شيبا في طلب العلم سيبقى جاهلا في أمور كثيرة، وذلك مصداقا لقوله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) صدق الله العظيم. وبعد هذا وذاك إلى أين تريدون الوصول بعقول أبنائنا وطلابنا يا تربويين، فلكي نصنع العباقرة لا بد أن نحترم عقولهم وأفكارهم أولاً، أليس كذلك؟!
وليد الشحي
