أخيراً ... بدأ راضي برسم لوحته وهو لا يعرف البداية ولا النهاية وكيف سيجمع كل هذا في لوحة واحدة فالذي لم يره بعينه أكثر من الذي رآه، وقرر راضي ان يتخذ أسلوب اللوحة الرمزية فرسم سجادة كبيرة في أرضية اللوحة كتلك التي امتطاها علاء الدين في الأساطير وسافر بها إلى أقاصي الأرض،.

وفي وسطها رسم برج دبي تتفرع من أرضيته جزيرة النخلة التي شقت البحر وجعلت الناس يسيرون على الماء كما الحلم أو المعجزات، أما التراث فقد اتخذ ركنا كبيرا عبر الحصان الذي امتطاه فارس ابن فارس يرى المستقبل بمرآته الخاصة التي فاقت أبعادها كل المقاييس لتصنع مقاييس جديدة يصعب حسابها بالورقة والقلم، لقطة أخرى مع عائلة إماراتية..

الأم تخبز والأب يحيك الشباك والابن يقرأ كتابا ويتطلع إلى السماء، العالم تجمع عبر رموزه في ركن من اللوحة ممسكين بقبعاتهم وأزيائهم كعادة الأوروبيين في الاحترام والتقدير والانبهار وكأنهم ينحنون لأميرة جاءت من عمق الصحراء لتبهر العالم بجمالها الاستثنائي الذي لا يمحوه زمن أو تؤثر فيه أزمات.

وفي عنان السماء تحلق طائرات تحمل أناسا يتطلعون من نوافذها متشوقين إلى لمس أرضها وزيارة الأماكن التي طالما سمعوا عنها، أما باقي الصور فقد حملت لقطة لعيون امرأة عربية تضع الكحل على عينيها وتحمل الإصرار والعزيمة لوصول أعلى المناصب فتلك المرأة الإماراتية لم تكتف بخجلها يوما بل حافظت على عاداتها وأحسنت استخدام مقتضيات العالم الحديث.

ودون ان يدري سقطت دمعة من عيني راضي وتمنى ان يرسم عيناً لابنته علها تستطيع الرؤية وتعوض النعمة التي حرمت منها، وما ان انتهى راضي من استكمال لوحته ووضع ستارا شفافا عليها وهو لا يعرف ماذا سيفعل بهذه الصورة الأمل الوحيد الذي بقي له، وحينها دخل عليه احد أصدقائه .

وهو يحمل الجريدة في يده ويقول بصوت عال «بشرى سارة يا راضي» أمسك راضي الجريدة ليقرأ عن حالة طفلة كفيفة تشابه حالة ابنته وقد كتب لها رؤية العالم من جديد عن طريق مبادرة «نور دبي» التي أنارت العالم وأخرجت الكثيرين من ظلمة العمى، وجعلت الحياة تبتسم أمام المئات من الأطفال وأعطتهم نعمة الرؤية التي لا يفوقها نعمة.

ولم يكذب راضي خبرا واستيقظ مبكرا واخذ معه أوراق ابنته وذهب إلى مقر المؤسسة التي قوبل فيها بالترحاب وحدد له موعدا للكشف على ابنته وبالفعل لم ينتظر راضي الا أسبوعا واحدا وبدأ رحلة أخرى وأملا جديد يبرق في حياته، وبالفعل طمأنه الطبيب المعالج أن ابنته سترى النور بإذن الله قريبا، لم يصدق راضي ما سمعه وكرر على الطبيب كلامه أكثر من مرة وهو يقبله ويجري والدموع في عينيه، مر الأسبوع بطيئا على موعد العملية.

ولكن صلاته ودعاءه لم ينقطعا في هذه الأيام وأصبح يسير يوميا في شوارع دبي ويراها بعين أخرى الى ان حان موعد العملية، حمل راضي ابنته وحمل لوحته ايضا وذهب الى المستشفى التي استقبل فيها أحسن استقبال وسلم ابنته للأطباء .

ولم ينقطع بكاؤه لحظة حتى خرج الطبيب وأخبره ان العملية نجحت وان ابنته تحتاج الى يومين حتى يُفك الرباط، انتظر راضي أصعب يومين في حياته، وهو يتطلع كل دقيقة الى لوحته الثمينة التي يعتبرها وجه الخير عليه، أفاقت الطفلة الصغيرة وفتحت عينيها ووضع راضي «لوحة دبي» أمامها حتى يرصد رد فعلها وبتلقائية شديدة رفعت الفتاة إصبعها لتلمس الفارس الذي يمتطي الحصان .

والذي تطال رأسه عنان السماء، ووقتها احتضن الأب ابنته في حنان شديد وبكاء مستمر وشكر لا ينقطع فقد تحقق أمله وكل أحلامه، ووقتها بالذات صمم ان يقدم اللوحة إهداءً لدبي التي منحته كنزا لا يفنى، ولمهرجان دبي ملهمهُ في إخراج لوحته التي أطلق عليها «موناليزا» العصر الحديث.