عاش طوال حياته راضيا بما كتبه الله له لم يتذمر يوما أو ييأس من ضيق الدنيا في وجهه في بعض الأحيان حتى عندما فكر في الزواج اختار زوجة عادية ولم تكن له تلك الشروط التي تشبه مكتب تنسيق الثانوية العامة.

لم تكن الحياة يسيرة معه بل كانت تريه وجهها الجيد مرة والقبيح مرات، فعندما فرح بإنجاب زوجته وتأكد انه أصبح أباً كما كان يتمنى ماتت زوجته وتركت له طفلة رضيعة اسماها «فرحة» اكتشف بعد فترة قصيرة أنها كفيفة لا ترى ومع ذلك حمل فرشاته وألوانه التي يتخذ منها لقمة العيش فهو فنان بالفطرة جاء الى دبي محملا بالآمال والطموحات والعالمية، بدأ حياته الفنية العملية كخطاط مؤقتا .

ولكنه لم ينسَ يوما حلم حياته بالمعرض الذي سيوصله الى العالمية او على الاقل يعرف الناس بفنه وتلك الفكرة هي التي جعلت «راضي» بطل القصة يختار دبي من بين المدن العالمية بعد ان وافقه الرأي كل أصدقائه الذين عددوا له ميزات دبي كمدينة للمعيشة والعمل والوصول الى العالمية.

لم يضع «راضي» ظروف حياته الصعبة عائقا أمام حياته بل كان ينظر الى لوحاته كل يوم قبل ان ينام وهو يفكر في ابنته التي تكبر يوما بعد يوم وتمنى ان ترى لوحاته ولو لمرة واحدة فقط.

نام راضي بعد ان اطمأن على ابنته التي كانت تبتسم له دون ان تراه والألم يعتصر قلبه ولكن كان يشعر ان نهاية صبره ستكون خيرا بإذن الله.

أكمل راضي عامه الرابع في دبي مكونا العديد من الصداقات والمعارف من مختلف الجنسيات الذين أحبوا فنه وشجعوه كثيرا، وضمن هؤلاء الأصدقاء طبيب عيون عرض عليه رؤية ابنته ومحاولة إيجاد علاج لها، وبالفعل لم يتأخر راضي عن جلب ابنته للطبيب عله يجد علاجا لها الذي كان مستعداً ان يدفع نصف حياته ثمنا لترى ابنته.

فحص الطبيب عيني الفتاة الصغيرة ولكن مرض الفتاة كان اكثر من خبرته واقترح على أبيها الذهاب بها الى بريطانيا او أمريكا أو لندن عله يتمكن من ايجاد طبيب متخصص في حالة الفتاة، حزن راضي جدا على النتيجة التي توصل اليها الطبيب ولكن ذلك لم يثنه عن ايمانه ان علاج ابنته في دبي كيف؟.. لا يعرف.

معرض في دبي

عاد راضي إلى بيته راضيا رغم كل ما سمعه وجاءت له فكرة قد تحل المشكلة وهي إقامة معرض فني في دبي، ولكن الأمر يحتاج منه إلى كثير من الوقت والجهد فهو يريد ان يرسم دبي في لوحة واحدة لتكون لؤلؤة المعرض.

فكر في اللوحة وكيف ستكون، لقد أرادها غامضة ومحيرة ومبهرة مثل الموناليزا التي أبهرت العالم القديم، أراد دبي في لوحتها العالمية التي ستوفر له ثمن علاج لابنته .

كما ستمنحه العالمية التي طالما حلم بها، لأول مرة يسهر راضي ليله وهو يفكر في الغد من أين يبدأ اللوحة وكيف سيبدأها وكيف له ان يجمع ما أنجزته دبي في لوحة واحدة وأخيرا استقر على فكرة وهي دمج الرموز بالواقع والحقيقة بعدما اكتشف ان واقع دبي أجمل من خيالها الذي يعانق حدود السماء ويتحقق بشكل غير طبيعي يفوق الرسومات التي يخطها المهندسون على الورق لتخرج المباني عالية على الأرض الصفراء وكأنها لوحة موسومة وليست بناءً حقيقياً يسكنه البشر.

عاصر راضي جزءاً صغيرا من نهضة دبي الحديثة ولكنه استكمل هذا الجزء من أصدقائه الذين لم تخل إحدى جلساتهم من الحديث عن دبي والجديد الذي تحمله كل يوم فلا يكاد يمر يوم إلا وهناك افتتاح لمول او لشارع او لهيئة او لمنظمة او مؤسسة وغيرها من الأشياء التي جعلت دبي تنبض دوما بالحياة، لدرجة ان احد الاصدقاء عاد الى دبي بعد اجازته السنوية ليجد الكثير من الاشياء الجديدة وكان يتساءل متى وكيف تفعل دبي هذا.

وانطلاقا من حرص راضي على الاستماع للقصص المختلفة عن المدن العالمية الأخرى اختار راضي أحد المقاهي الموجودة في دبي والتي تتمتع بتنوع زائريها من الجنسيات المختلفة الذين تتعدد أحاديثهم وتتنوع عن بلدانهم الأصلية وعن حياتهم الحالية، وبالفعل جلس راضي مستمعا فقط وملقيا بعض الاسئلة الاستفسارية عن بعض المدن العالمية التي قد لا يتمكن من زيارتها.

استخلص راضي ان كل المدن العالمية تجد لنفسها ميزة او ميزتين على الأكثر وتبتعد تلك المدن من لقب «المدينة الفاضلة» التي يجب ان ترتفع فيها القيم الاجتماعية والحميمية بين الناس مثلما ترتفع المباني الشاهقة وتتفرد في بنائها ومثلما يشق البحر لأول مرة في العالم ليكون عالما جديدا من المدن المختلفة بكل المقاييس والتي تباهى الناس في العيش فيها وهم مدركين ان تاريخ دبي هو جزء من حياتهم اليومية.

وقفة بسيطة

لم يصبر راضي على ألوانه وفرشاته ولوحاته المنتظرة التي ينتظر بيعها ليعالج بها ابنته الكفيفة، وعاد الى البيت نشيطا متحمسا لدبي ولكن وقفة بسيطة جعلته يؤجل رسم اللوحة وهو تراث وتاريخ هذه المدينة الذي لا يمكن إغفاله في لوحته الموناليزية العبقرية، فكر راضي في جلب الكثير من الكتب التاريخية التي كتبت عن دبي او الدخول على الموقع الالكتروني عله يجد ما يمده بالأفكار ويبلور لديه نبذة عن تاريخ الإمارة الباهرة، فكر في الأماكن التراثية الموجودة في الإمارة بكثرة ومن قرية التراث والغوص بدأ راضي جولته الفنية في تراث دبي، وهناك وجد ما لم يكن يخطر على باله فقد وجد مدينة أخرى تعج بكبار السن من النساء والرجال الذين يتقنون لهجة دبي القديمة.

والتي تنم حروفها عن الخير والبركة التي تعم دبي منذ القدم، تعجب راضي في البداية من سبب هذه المدينة وهل هؤلاء الناس يقيمون في قرية الغوص والتراث بصفة دائمة عندها تذكر راضي سبب الحلة البهية التي ارتدتها شوارع دبي وزينت ميادينها وحتى السماء أصبحت مختلفة، كلها أفكار وخلفيات يخزنها راضي في عقله ليترجم على لوحته.

بدأ راضي ينظر باهتمام إلى النساء اللاتي افترشن الأرض في الزقاق الطويل الذي يعود بالتاريخ الى خمسين عاما، سيدات يرتدين البرقع ويتقنّ فن حياكة «التلي»، ويستقبلن الضيوف في العريش على سجادة يدوية إماراتية الصنع يفوح منها عبق تراث وتاريخ يفخر به كل إماراتي، سيدة أخرى تتقن فن صناعة البراقع التي كانت ترتديها النساء الإماراتيات قديما كنوع من الخجل والاحترام والحشمة الا ان هذا البرقع يحمل سحر العيون خلفه.

البقالة القديمة وبائعات الحلوى والأطفال دون احذية يلهون أمام العريش على الرمال الصفراء يتأرجحون في الهواء بملاهٍ دقيقة الصنع أدواتها من البيئة المحلية ورائحتها تدل على اهمية الترفيه لدى الاماراتيين منذ القدم.

ولم يستطع راضي ان يقاوم رائحة الطعام الطيب الخالي من المواد الحافظة الذي يحمل الهواء نسمات يد البركة التي صنعته يد حليمة من رأس الخيمة التي تواعدت على مدار 14 عاما مع المهرجان والتي أصبح ابنها الطفل الصغير الذي كانت تصحبه معها الآن في احد المناصب المرموقة في دبي التي طالما حققت احلامها واحلام اولادها التي تفانت هي وزوجها لتربيهم بشكل مشرف لبلدهم.

ادرك راضي انه يجب ان يكون هناك تاريخ يحمل اثاراً ضاربة في القدم مرسخة جذور هذه الإمارة بين دول العالم القديم والحديث مؤصلة للناس الذين عاشوا قديما في دبي، وبالفعل استفسر راضي ليجد ان هناك معرضا اثريا يقام في قرية التراث ولم يتأنَّ راضي وأسرع الخطى الى معرض «ساروق الحديد» الذي يعرض دليلا على تاريخ هذه الامارة عبر الاشياء التي عثر عليها التي يعود تاريخها الى ملايين السنين والتي تثبت ان هناك من عاشوا في منطقة جميرا قديما وكانوا عائلات متنقلة.

كذلك يتضمن معرض ساروق الحديد المواقع الاثرية في دبي مثل ام الشيف و منطقة جميرا القديمة المتجددة والتي تتمتع بطقس مختلف طوال العام، وفي طريق العودة الى قرية الغوص رأى راضي البحر على البر والشباك والاسماك والصيادين الحقيقيين الذي جلسوا يخيطون شباكهم الممزقة وكأنه امام فيلم من افلام السندباد البحري، اقترب راضي من الشيبة راشد الذي خطت السنون تاريخها وأهوالها على يده ذات التقاسيم المختلفة تماما .

وهو يمسك بالمخرز ويحيك الشباك كما يحيك الخياط ثوبا غاليا، تنهد راشد عندما سأله راضي عن الماضي وتنفس عميقا وكأنه يريد لهذا الزمن ان يعود ولكنه اكتفى بقوله: «نحن ننتظر أيام المهرجان لنجتمع من مختلف الإمارات ونتبادل حديث الأمس ونعيش حياة الأجداد التي تربينا عليها»، سقطت دمعة من عيني راضي الذي يحمل حسا مرهفا وربت على رأس الشيبة وحيّاه وهو لا يريد الرحيل بعيدا.

عند «اليازرة»

«اليازرة القديمة» كانت إحدى وقفات راضي حيث الآلة القديمة التي يتم استخراج المياه بها من البئر، وبجوارها المزرعة التراثية حيث البيت الإماراتي القديم الذي كان يخصص في بيته مكان للحيوانات التي تعينه والتي يستفيد منها في الحياة مثل البقر والماعز والأغنام والطيور التي تربيها سيدة البيت، كذلك السوق الشعبي القديم كان قطعة من التاريخ القديم التي حمل الأقمشة والسجاد القديم والأحذية التي كانت تتخذ شكلا مختلفا تماما عن أحذية هذه الايام، اما الخيول والجمال التي رافقت الإماراتي مشوار حياته فمازالت تحتفظ بمكانتها عبر الزمن وأصبحت رموز هامة يعتز بها الإماراتي كما العربي.

الحرف التقليدية مثل صناعة النحاس والادوات المنزلية والتلي وشباك الصيد والقراقير وادوات الصيد وغيرها من الحرف التي مازال هناك من يتقنها من اهالي الامارات رغم مرور الزمن الطويل كانت حاضرة بقوة.

البر والبحر لكل منهما مكانته لدى الإماراتيين الذين يتخذون من الصحراء استراحة المتعب والعاشق وهي المكان الذي يمارس فيه اغلب الرياضات مثل القنص والصيد وحديثا سباق السيارات، حتى التخييم والعودة الى الحياة البدائية كان خيار متوفر امام الجميع في «وطني» الذي كان الجميع يتحدثون عنه .

ويستعدون للذهاب الى هناك، اما البحر فقد كان ومازال الملاذ الآمن للإماراتيين الذين أتقنوا فن التعامل مع موجاتها الغادرة واستطاعوا ان يخرجوا مجوهرات البحر المكنونة التي كانت تفيض عليهم وتعطيهم من وسع اسماك ولؤلؤ وأحيانا اشياء اخرى حتى شاطئ البحر كان له برنامجه الخاص الذي ينظمه مجلس دبي الرياضي الذي جهز برنامجا متخصصا في الرياضات المختلفة المكثفة والتي شارك فيها عشرات من الشباب الذين استمتعوا باللعب والتسلية بدلا من الفراغ الذي يعانون منه.

لم يكن يتخيل راضي ان هناك تاريخا دسما لهذه الإمارة التي اتقنت فن الحضارة وصنع المستقبل وتصدر المقدمة، ولكنه تذكر مقولة المغفور له الشيخ زايد رحمه الله: «من ليس له ماضٍ ليس له حاضر»، وفي طريق العودة دقت طبول الفرقة الاماراتية ورأى راضي الأطفال وهم يتقنون فن التعامل مع اليولة وحينها تمنى راضي ان يقوم بإحدى حركات اليولة ولكنه لم يكن يدرك صعوبة هذه الحركات التي يبدعها الأطفال الصغار كما يبدعون في الألعاب الشعبية القديمة.

عاد راضي الى بيته وحمل ابنته فرحة بين يديه وأخذ يقص عليها ما رآه وكان كمن عاد من رحلة عبر الزمن، كان فرحا جدا وشعر انه محظوظ لأنه شاهد بعينيه عن قرب التاريخ القديم متجسدا بكل ملامحه، وقبل راضي فرحة وهو يعدها بالمزيد من الحكايات في اليوم التالي.

شيرين فاروق