نظمت «جائزة الشيخ زايد للكتاب» ندوة الليلة قبل الماضية تحت عنوان «أدب الطفل: صياغة المستقبل» بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة، وذلك بهدف إلقاء المزيد من الضوء علي أدب الطفل ودوره في صنع مستقبل الطفل.. حضرها عدد ضخم من كبار الأدباء والمفكرين والفنانين والمثقفين والمبدعين المصريين والدبلوماسيين العرب، في تظاهرة ثقافية عظيمة عقدت في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب.
في البداية، أكد راشد صالح العريمي الأمين العام لجائزة الشيخ زايد علي أن جائزة الشيخ زايد على الرغم من أهمية القيمة المالية لها وضرورتها لاستمرار العمل المبدع، فإنها تسعي إلي تكريس القيمة الإنسانية للإبداع وللمنجزات الإبداعية وللعقول التي أنتجتها، ولطالما عانى المبدعون عبر التاريخ من التهميش والاستبعاد.وقال العريمي، خلال الندوة: إنه تقديرا للراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله ودوره الرائد في التوحيد والتنمية وبناء الدولة والإنسان كان القرار بإنشاء جائزة علمية باسم «جائزة الشيخ زايد للكتاب».
وهي جائزة مستقلة ومحايدة تمنح كل سنة للمبدعين من المفكرين والأدباء والناشرين والشباب عن مساهماتهم في مجالات التأليف والترجمة في العلوم الإنسانية التي لها أثر واضح في إثراء الحياة الثقافية والأدبية والاجتماعية وتبلغ قيمة الجائزة سبعة ملايين درهم إماراتي «حوالي 6, 10 ملايين جنيه مصري».
وأضاف: إن جائزة الشيخ زايد تهدف إلى الاحتفاء بالمبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والفنون والثقافة العربية والإنسانية وكذلك تكريم الشخصيات الأكثر عطاء وإبداعا وتأثيرا في حركة الثقافة العربية وتشجيع المبدعين والمفكرين من الشباب وحث الموهوبين على العطاء الفكري والمساهمة في نشر الإبداع العربي.
وكذلك المساهمة في الارتقاء بالإنتاج الإبداعي وتنشيط حركة الترجمة الجادة والاهتمام بأدب الطفل العربي وحفز المبدعين العرب علي التنافس في خلق المشروعات الإبداعية والفكرية.
وأشار إلى أن جائزة الشيخ زايد تعمل في تسعة فروع وهي التنمية وبناء الدولة، أدب الطفل، المؤلف الشاب، الترجمة، الآداب، الفنون، أفضل تقنية في المجال الثقافي، النشر والتوزيع، وشخصية العام الثقافية.
ونوه إلى أن الجائزة مضى عليها دورتان من عمرها وأنه من المقرر أن يتم الإعلان عن نتائج الجائزة في دورتها الثالثة خلال شهر فبراير القادم.
تشكيل الوعي
ومن جانبه، أكد الناقد الكبير الدكتور صلاح فضل «عضو الهيئة الاستشارية لجائزة الشيخ زايد» على أن أدب الطفل يحتل نصف الفضاء الإبداعي في خريطة الإنتاج الأدبي لدوره في تشكيل الوعي والمعرفة وبناء الشخصية وبالتالي بناء المستقبل.
مشيرا إلى وجود قضية جوهرية فيما يتعلق بأدب الطفل وهو يطرح سؤالا هاما وهو هل حظي أدب الطفل في الثقافة العربية بما يستحقه من الدراسات النقدية ؟، وتابع قائلا: الإجابة تكون دائما من خلال شكوى مستمرة من أدباء الطفل من نضوب معين نقد أدب الطفل والتي يمكن على أساسها تطوير وتحديث وتصويب مستوى أداء أدب الطفل».
وأضاف فضل: إن المعايير التربوية العامة لا تصلح للتقييم النقدي الحقيقي لأدب الطفل لعدة اعتبارات، حيث أن أدب الطفل قبل أن يكون وسيلة تربوية مباشرة فلابد أن يكون أدبا في المقام الأول، مؤكدا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل احتياجات طفل اليوم من الثقافة والفكر والأدب هي نفس احتياجات طفل الأمس ؟.
واستطرد قائلا: إن التغيرات التكنولوجية والإعلامية الكبيرة أنضجت أطفالنا قبل الأوان وجعلته يعرف من أسباب الحياة ما يجعله ينفر من أبويه إذا أخفيا عنه حقائق لا يقتنع بها وغير منطقية بالنسبة له».
وشدد على أن المطلوب من أدب الطفل أن يحقق هدفا معرفيا من خلال الحقائق والمعلومات وهدفا جماليا من خلال الإبداع وجمال الكلمة والتشبيه، وهدفا قيميا أخلاقيا، وقال: إنه يترتب علي هذه الأهداف أن أدب الأمم الأخرى المترجمة قد تحقق أهدافا معرفية وجمالية ولكنها تنقل أهدافا قيمية للدول الأخرى ويأتي في مقدمتها الدين والأخلاق والتراث وهو ما يجب الحذر منه فالترجمة وحدها لا تكفي.
وتابع قائلا: في تقديري أن المنظومة التي تضم الأهداف الثلاثة لابد أن تتبلور في شكل فني ناجح، وأعرب عن اعتقاده بأن الجوائز وفي مقدمتها جائزة الشيخ زايد تسعى لذلك من خلال تطلب الجائزة لتوافق فني ومعرفي وقيمي ويصبح دور الجوائز أن يحفز الأدباء الذين يقدمون أطرا فنية وإبداعية تدعم في الطفل حب القراءة والأدب والتذوق دون منافاة لمنظومة القيم.
وأضاف فضل: إن ما عايشناه من آلام الأطفال وشكواهم في قطاع غزة خلال الفترة الماضية وصل إلى الجميع أكثر مما وصل من آلام وشكاوى الكبار، فالكبار مسؤولون عما يحدث وهو ما يؤكد أن الطفولة دائما هي الأجدر علي تحريك الشعوب لإرتباطها بالمستقبل والبراءة وهي التي تجعلنا ننظر للإنسان باعتباره إنسان.
إنتاج محدود
وبدوره، أكد الدكتور محمد علي أحمد الفائز بجائزة الشيخ زايد لعام 2007 لأدب الطفل والمتخصص في الأدب العلمي، أن الإنتاج العلمي في العالم العربي بكل أسف محدود ومتدنٍ للغاية مقارنة بالعالم المتقدم والمتوسط وكذلك حجم المعروض في المكتبات ودور العرض وكذلك ما تتناوله الصحف المختلفة وهو ما يجعل ما يقرأه الطفل العربي، سطرا لكل كتاب يقرأه الطفل على مستوى العالم، مرجعا ذلك إلى تدني الميزانيات المخصصة لذلك وأيضا لتدني الاهتمام الرسمي والشعبي.
وأشار إلي أن الطفل بصفة عامة يتميز برغبته في اكتشاف المجهول وكشف الغموض من خلال المعرفة والتعرف علي محيطه دائرة بعد دائرة وهو ما يمثل الدافع الأكبر للقراءة عند الطفل، إلا أن الكتاب المدرسي والمدرس والآباء والأمهات يقتلون في الطفل تلك الرغبة ويشاركون وغيرهم في التسطيح المعرفي والفكري للأطفال.
ويتابع قائلا: «لا عجب إذاً بعد أن يكره الطفل الكتاب ويبتعد عن العلم والعلوم خاصة في ظل جهلنا لفن تبسيط العلوم وهو ما يوجد ضرورة ملحة ويبرز أهمية كبيرة لدور الباحثين وأهل العلم في تبسيط العلوم والمفاهيم الحديثة».
ومن جانبه، أكد السفير أحمد الميل الزعابي سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى مصر ومندوبها الدائم بالجامعة العربية، في تصريح خاص «للبيان »على أهمية جائزة المغفور له الشيخ زايد رحمه الله ودورها البارز في إثراء الفكر والأدب العربي باعتباره رافدا أساسيا من روافد الثقافة العربية التي تشكل الوجدان والشخصية العربية، مؤكدا أن الجائزة .
والتي تستلهم زخمها وقوتها من التراث العربي الأصيل تأتي تواصلا مع النهج الذي رسمه لنا المغفور له الشيخ زايد أل نهيان رحمه الله والذي يسير على دربه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في الحرص على التراث العربي الأصيل وتعميق الانتماء العربي والافتخار بالثقافة العربية باعتبارها من أكثر الثقافات العالمية ثراء وإبداعا.
القاهرة- سباعي إبراهيم
