يدور حول نفسه بكل خفه، بشكل يثير العين والاسئلة في النفس عن تلك القدرة التي تمكن راقص التنورة من الدوران حول نفسه بشكل متواصل وعلى إيقاع واحد لمدة تزيد على نصف الساعة.

ذهب مؤسسوها وبقيت التنورة تدور في كل مكان تدعو إلى الزهد والتصوف في الحياة، وتنأى بنفسها عن كل ما في حياتنا من تطور.ورغم البعد التاريخي الذي يفصلنا عن رقصة التنورة، إلا أنها أصبحت حاليا فنا شعبيا مصريا يغطي بشهرته معظم أقطاب الدنيا. تاريخيا تشير عديد المصادر إلى أن رقصة التنورة بدأت في العصر الفاطمي على يد الصوفي جمال الدين الرومي، حيث كانت تعبر عن حالة الصوفية الزاهدة التي تخاطب جوهر الإنسان، ولم يكتف في التعبير عن حالته الصوفية بالكلمات فقط، إنما زاد عليها الحركة والإيقاع اللذين تمثلا في رقصة التنورة، لتنتقل بالتوارث إلى يومنا الحالي.

فلسفة الدوران

وكما أن لكل شيء في حياتنا فلسفة يقوم عليها، فكذلك رقصة التنورة التي ما زالت تحتفظ بفلسفتها الغارقة في القدم، وحول ذلك يقول وحيد رمضان، عضو غرفة صناعة السينما المصرية وصاحب شركة وحيد رمضان لتنظيم الحفلات بدبي:

''تقوم فلسفة رقصة التنورة على أن الدائرة هي الكون وأن مركزها الشمس، وهو ما يجعل الراقص ينتهي عند ذات النقطة التي بدأ منها في حركة دائرية ''عكس عقارب الساعة''، يرفع يده اليمنى إلى السماء بينما تكون اليسرى إلى أسفل، ليربط في روحانية خالصة بين الأرض والسماء، وفي حركاته الدائرية المتعاقبة يشعر بالتسامي والعلو وكأنه يطير إلى عنان السماء''.

وكما أن التنورة فكرة مصرية خالصة، فإن الدوران بالأصل فكرة تركية، وقد التقطها المصري وطورها، بحيث أصبحت تعتمد على بعض الأدوات الموسيقية التراثية، أما عن طبيعة موسيقى التنورة فيقول رمضان: ''أن الموسيقى يجب أن يكون فيها نوع من الشجن، ولذلك يستخدم فيها ألة المزمار، والربابة التي تعود إلى العصر الفرعوني، والناي المصنوع من الغاب وغيرها، حيث تثير هذه الآلات إحساس الشجن الذي يتفق مع الحالة الصوفية، والراقص يكون في العادة موسيقياً، وهو ما يدفعه للتوحد مع الحركة والإيقاع، وحتى الألوان الموجودة في التنورة فهي تعتمد على عنصر الإبهار بالرقص، وهي ألوان عربية شعبية اتسمت بها أعلام الطرق الصوفية منذ القدم''.

التنورة من الصوف إلى الإستعراض

ويضيف رمضان: ''أن أول من لف التنورة في مصر هو جمال الدين الرومي، ومن ثم انتشرت في القاهرة وانتقلت إلى تونس وبلاد المغرب، وهي وثيقة الصلة بالأداء التلقائي للدراويش في الموالد وحلقات الذكر، ويوجد لها شبيه في تركيا وسوريا وتسمى ''مولاوي'' ولباسها أبيض خالص، وعادة يركز الراقص نظره على السماء كنوع من الروحانية، أما بالنسبة لنا في مصر فالتنورة تمزج بين رقصتين الأولى صوفية .

وهي تتسم بحالة عميقة من الروحانية تنتاب الراقص عند الأداء وتعبر عنها تقاسيم وجهه وحركاته الجسدية، ويسمى الراقصين بـ ''الحاناتية'' يمسكون بالدفوف والمزاهر ويؤدون حركة الدراويش في حلقات الذكر ويبلغ عددهم خمسة أو سبعة، وعبر أدائه يفقد الراقص أو ''اللفيف'' الإحساس بكل ما حوله إلا شعوره بالتسامي، ويبدأ أداؤه عادة بالاستعداد أولاً للحركة ثم يدفع التنورة بيده وجسده حتى يرسم بحركته صورة قرص مستدير، وتتوقف مهارات الراقص على لياقته البدنية وقدرته على الإرتفاع بالجمهور إلى الحالة الصوفية الروحانية.

أما الرقصة الاستعراضية والتي نراها في كل مكان فهي تعتمد على عنصر الإبهار عبر الألوان المتعددة للتنورة وأشكالها المميزة، وهي الأخرى تعتمد على اللياقة البدنية للراقص وسرعة أداءه، إذ يرتدي ثلاث أو أربع تنانير في حين يرتدي عند أداء الرقصة الصوفية تنورتين فقط يرفع إحداهما إلى أعلى أما الثانية فتكون للف. وبخلاف التنانير يرتدي اللفيف ''العنتري'' والجلباب ويسمى دورانه حول ذاته ''بالشانيهات'' وفي حالة الأداء الصوفي تقوم الرقصة على لفيف واحد فقط وحوله ''الحاناتية''، أما في حالة الأداء الاستعراضي فيؤدي الرقصة ثلاثة لفيفه وربما أكثر.

وفي الرقصة الاستعراضية عادة ما يقوم اللفيف أو الراقص بعمل تشكيلات مختلفة في التنورة وأبرزها الفانوس، وحاليا نحن نستخدم التنورة كنوع من أنواع الجذب السياحي، فلا يكاد يوجد مكان سياحي في مصر يخلو من رقصة التنورة حتى على ظهر المراكب السياحية التي تجوب النيل''.

أما عن تعلم هذه الرقصة فقال: ''يبدأ الراقص بتعلم هذه الرقصة منذ الصغر بعمر 7 - 10 سنوات، حيث يكون لديه قدرة عالية على تكييف جسده مع حركة الدوران المتواصلة، وعادة ما يتوارث الراقص هذه المهنة عن والده أو جده، وحاليا يوجد لدي رقصة تنورة للأطفال وأخرى للسيدات وثالثة للشباب''.

ويشير رمضان الذي أُثر أن يوجه جزيل شكره إلى إدارة مهرجان دبي للتسوق على ثقتها في رقصة التنورة، والتي بدأت معها منذ انطلاقة المهرجان عام 1996 وحتى اليوم، إلى أنه أجرى بعض التطورات والتجديد على رقصة التنورة لهذا العام، وذلك بإضافة الأضواء البراقة على التنورة والصدرية التي يرتديها الراقص، والتي أعطت التنورة شكلاً مختلفا عن السابق.

عازف المزمار

صاحب التنورة منذ زمن بعيد، حتى اعتادت على نغمة مزماره، وبدا في فقرة التنورة التي تعرض يوميا ضمن فعاليات مسرح سوق المهرجان الليلي على شارع السيف، منتشيا يهيم بين إيقاعات الموسيقى، ليفيض بما تحمله نفسه من فن وروحانية.

هكذا بدا العم أحمد خليل إبراهيم (50 عاما) الذي يعد في مصر من القلائل الذين يتقنون العزف على المزمار، ويعتبر من أقدم أعضاء نقابة المهن الموسيقية بمصر، كما تشير بطاقة عضويتة التي حملت الرقم 116.

يقول العم أحمد إنه تعلم عزف المزمار منذ عمر التاسعة، حيث تعلم ذلك من والده الذي ورثه عن جده، واستمر معه حتى أصبح يتقنه بشده وينفخ فيه جميع أنواع المقامات الموسيقية.

في شارع السيف وعلى أنغام السيدة أم كلثوم ووردة ونجاة الصغيرة التي قدمها مع رقصة التنورة، استطاع العم أحمد أن يلهب الحضور حتى أولئك الذين لا يعرفون الموسيقى العربية، ويقول عن عمله مع فرقة التنورة: ''منذ سنوات طويلة وأنا أعمل مع رقصة التنورة، وإحياء الأفراح التي عادة ما تبدأ بزفة العريس وتشمل البخور ورقصات التنورة والصعيدي والحصان، وإلى جانب الأفراح عملت مع فرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن''.

ويضيف: نفخ المزمار فيه نوع من الصعوبة، حيث يحتاج الشخص إلى معرفة تامة بالمقامات والنوتة الموسيقية ويمتلك أذن موسيقية وقدرة على النفخ حتى يتمكن من تقديم وصلة موسيقية رائعة، وهو ما تعلمته منذ صغري وعلمته لأبنائي عطية وأمير الذين أصبحوا الآن يشاركونني عملي في إحياء الحفلات والمشاركة في المهرجانات.

ينتهي عرض التنورة ولكن العم أحمد لم تنتهي أنغامه، فقد حمل في ذاكرته الكثير منها ليحاول أن يدخل الفرح على قلوب كل من تابعوه.

غسان خروب