لا يكاد يخلو جناح في القرية العالمية من محل أو اثنين متخصصين في الطب الشعبي حتى «جناح فرصتي» التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية الذي افتتح مؤخرا اختص هو الأخر بعرض الأعشاب والخلطات الطبيعية التي توارثناها عن الأجداد.

يعتبر الطب الشعبي أو طب الأعشاب من الطرق القديمة لعلاج الأمراض التي تصيب الإنسان، حيث يرجع تاريخه إلى العصور الأولى حيث كان الإنسان يهتدي إلى الأعشاب العلاجية عن طريق الصدفة، ومع الوقت تطور الأمر وشاع خبر بعض النباتات التي أثبتت فعاليتها في شفاء بعض الأمراض مع الأخذ في الاعتبار أن الكيماويات لم تكن ضمن مضمار السباق. فعلى الرغم من تطور العصر وتواجد الأدوية الشافية إلا أن هناك من لايزال يرفع لواء فاعلية تلك الوصفات مستندا على توارثه الخبرة من آبائه أو أجداده أو احد المعلمين القدامى مبرهناً على ما يقوله بقصص عن بعض الحالات التي عالجها.

لذلك يحرص اغلب هؤلاء المعالجين على التواجد في الأماكن التي تتميز بكثرة الزائرين وتنوع جنسياتهم وبالطبع لا يوجد مكان أفضل من القرية العالمية التي تجذب جميع أنواع المعروضات على اختلاف أنواعها، والبلاد التي تأتي منها. لم يقتصر الأمر في القرية العالمية على الطب الشعبي الذي يعنى بالأعشاب بل شمل الطبيعة والمواد الغذائية غير التقليدية والتي يأتي العسل على رأسها حيث تتنوع أسماؤه بن السدر والجبلي وعسل السنط واكليل الجبل والكافور وعسل عباد الشمس وغيرها من المواد التي ثبت فعاليتها بحكم الخبرة فالجميع يرفع شعار «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب».

الانطلاقة كانت من الجناح الكيني حيث يباع الشاي الكيني الذي يقال انه يخفف من امراض المعدة وحالات الاسهال، اضافة الى بعض المشروبات الساخنة الاخرى التي يؤمن الكثيرين من الكينيين بضرورة تناولها يوميا لتحقيق الحيوية والنشاط. اما الجناح الصيني فقد تضمن احد محلاته عرضا لأجهزة المساج والتي تستخدم في نجاح مفعولها بعض المواد الترطيبية، اضافة الى محل يحتوي على بعض الأعشاب المعلبة والتي قد تكون معروفة لدى العرب على الرغم من أنها تحمل شعار«صنع في الصين» فمنها الحلبة والحريرة والكركدية والينسون وغيرها من الأعشاب الغالبة عليها الطابع العربي، كذلك يحتوى المحل على أكثر من 50 نوعا من الكريمات الخاصة بالتنحيف أو تنعيم الشعر وإطالته وإزالة النمش وغيرها من الأشياء التي تهوى السيدات شراء كريمات خاصة لها.

معجزة العصر

ومن داخل الجناح اليمني التقينا احد الباعة من داخل أحد الأكشاك المليئة بالأعشاب الطبية والمقطرات والكريمات المصنوعة من دون تدخل المواد الكيماوية وقد تم زخرفة «الكشك» بلافتات صغيرة كتب عليها أهم الأمراض التي يوجد دواء لعلاجها، وكذلك المكملات التي يحتاجها الجسم وتساعد ما يملكه من أعشاب على إيجادها، وبشكل عام فإن ما هو متوافر في هذا الكشك موجود في أكشاك أخرى، يشير جاسم احد متخصصي الطب الشعب كما يقول ان المؤسسة التي يملكها تنفرد ببعض الاكتشافات في هذا المجال من بينها زيت الحشيش الأخضر التي وصفها بـ «معجزة العصر» وهي عشبة خاصة بتقوية بصيلات الشعر وإطالته وأيضاً نعومته، وعن طريقة صناعتها: قال من خلال الحشيش المقطر بعد مزجه بعدة أنواع من الزيوت رفض الكشف عنها انطلاقاً من الحفاظ على «سر الصنعة»، بالإضافة إلى توفيره حليب شرش الزلوع الخاص بالقدرة لكبار السن، ويؤكد جاسم أن تناول نصف فنجان منه كفيل بإعادة رجل في سن التسعين إلى العشرينات من العمر!

وتنقسم محتويات الكشك إلى خمسة أنواع رئيسية هي «الأعشاب»، «المقطرات»، «الكريمات»، «الخلطات»، و«العسل» الذي يوليه معظم البائعين أهمية كبيرة، حيث يعتبر أهم دواء للإنسان، ويكفي تناول ملعقة منه صباحاً ومساء لتوفير زيارة الطبيب، وينصح جاسم كبار السن بتناول العسل البري، والصغار العسل الربيعي، وبالإضافة إلى هذين النوعين توجد أنواع أخرى للعسل منها العسل الملوكي الحر، عسل الزلوع، وعسل السنديان الخالي من الجلوكوز ومفيد لمرضى السكري.

وفيما يخص المقطرات هناك «عشبة الشمرة المقطرة» لعلاج الربو والسعال والتهاب الحنجرة وأوجاع المعدة والتهاب الجهاز البولي، و«نعناع بري مقطر» يسكن آلام الأسنان ويمنع الغثيان والتخمة ومزيل للتشنجات وإذا تم خلطه بالعسل والخل يطرد الديدان، و«عشبة الغيرة المقطرة» وهي مفيدة لمرضى السكري حيث تزيد من إفراز البنكرياس لمادة الأنسولين وتقوي مناعة الجسم، و«عود القرفة المقطرة» لضيق التنفس، والصراع المزمن وآلام الصدر وإزالة العرق. وكما يقول جاسم فإن كل هذه المقطرات تؤخذ ثلاث مرات يومياً بواقع نصف فنجان كل مرة.

أما الكريمات فهناك أنواع كثيرة اشار الى أن جميعها يدخل في تركيبتها غذاء ملكة النحل، لكن هناك استخدامات تخص كلاً منها مثل «كريم البياض والجمال» و«كريم لإزالة السواد والنمش» و«كريم غذاء ملكة النحل» وتعمل على المحافظة على البشرة ومقاومة التجاعيد. وعن الخلطات يؤكد جاسم أن هناك خلطات لزيادة الوزن وأخرى لإنقاصه خاصة أنها لا تؤدي إلى أية مضاعفات أو أثار جانبية، بالإضافة إلى «خلطة القوة والشباب» التي تجدد الخلايا وتمنع هشاشة العظام.

إقبال على الأعشاب

واللافت في القرية العالمية هذا العام هو ذلك الإقبال الكبير على كل المحلات التي تبيع الأعشاب في أجنحة القرية المختلفة الا ان الجناح اليمني يتميز بإقبال الناس وتعودهم على شراء العسل منه، وهو ما يؤكده علي الطنجاني حيث يشير الى الأنواع المتعددة من العسل التي يعرضها وفائدتها للإنسان مثل عسل السنط لعلاج مرض السكري لأنه غني بالفركتوز وعسل الزعرور لحالات ارتفاع الضغط وتصلب الشرايين، وعسل الحليج لحالات التهاب المثانة والبروستاتا والأمعاء أما عسل الكستناء فيستخدم لعلاج حالات سوء الدورة الدموية والإرهاق وفقر الدم يضاف إلى ذلك عسل اللفت الزيتي وعسل الكافور لعلاج الالتهابات الرئوية والبولية ومهدئ للسعال، وعسل الخزاح لحالات الحروق والجروح.

وعسل البرتقال لعلاج التشنج والأرق والإمساك، وعسل إكليل الجبال لعلاج أمراض الكبد ومضاد للغازات، وعسل التنوب لعلاج أمراض القصبة الهوائية والأنف والبعلوم، وعسل الزيزفون والذي يستعمل كمهديء للجهاز العصبي ، ويضيف الطنجاني أن عسل البرسيم يستخدم لزيادة طاقة الجسم وزيادة المقاومة الطبيعية أما عسل عباد الشمس فيستخدم لعلاج زيادة الكولسترول في الدم، ويؤكد أيضا أن عسل الجبال هو أقوى أنواع العسل تأثيرا لأنه أصفاها وأقلها تلوثا.

اما المرأة فلها نصيب وافر في الطب الشعبي حيث الاهتمام والهوس الكبير بالشكل الخارجي وهو المدخل الرئيسي لاقناع المرأة بفاعلية هذه الوصفات التي قد تصل احيانا الى حد السحر خلال فترة وجيزة، وهو ما يحتاج الى تجربة على الاقل مرة واحدة، الصفة الغالبة على بائعي هذه الوصفات القدرة عن الاقناع من خلال ذكر حالات مشابهة كثيرة قد يفوق علاجها حدود الطب والعلم احيانا.

أعشاب من التاريخ

جاءت أغلب طرق العلاج بالأعشاب من الهند القديمة في كتابهم «الفيدا» الذي كتب باللغة السنسكريتية منذ أكثر من أربعة آلاف سنة، وكتاب «أيو فيدا»، الذي يصف الكثير من الأعشاب وخواصها الشافية. ومن الأعشاب التي جاء وصفها في هذا الكتاب الصبر والكركم وزيت الخروع بجانب البورق وبعض الشحوم الحيوانية. وفي الصين القديمة كان كتاب «بن تساو» يقيم أكثر من 365 عشبة للعلاج والوقاية من الأمراض. ومن ضمن ما جاء به من أعشاب وصف دقيق لخصائص الأفيون والقنب والقرطم وجوزة الطيب.

وفي اليونان القديمة بلغ الطب عند اليونانيين القدامى شأناً كبيراً، إلا أن معظم معارفهم عن المعالجة بالأعشاب اكتسبوها من مصر الفرعونية، وكانوا يرمزون للطب بإله يدعى في زعمهم «اسكولاب». وكان ابقراط قد قسم العقاقير والأعشاب المختلفة إلى أقسام يستعمل بعضها من الظاهر مثل المراهم والزيوت، وبعضها يتناوله المريض مثل الأعشاب المغلية مع العسل أو على صورة حبوب، ومنها قطرات العين، وكان ابقراط يستعمل في علاجه أكثر من مائتين وثلاثين عقاراً من الأعشاب المختلفة.

أما روما القديمة فقد اشتهر من أطبائها كاتو، وكان هذا الحكيم يعالج الأمراض بالكرنب فيضع أوراقه على الجروح والقروح والأورام، او يعطيها للمرضى مع قليل من النبيذ. وكان هناك أيضاً الطبيب ديسقوريدس الذي كان مغرماً بالأعشاب حتى انه وضع كتاباً أسماه «الأعشاب» وصف فيه الأفيون والصبر والزنجبيل، وبين فوائد كل منها، وكان جملة ما كتب عنه من أعشاب ونباتات تسعمائة وثمان وخمسين عشبة. وكان للعرب السبق في الترجمة والدراسة والتجربة لكل ما جاء في كتب الأقدمين عن المعالجة بالأعشاب. وقد برع منهم الكثيرون في هذا الفن حتى أن مؤلفاتهم ظلت لقرون عديدة مرجعاً للطب والعلاج في أوروبا، وذلك لما تضمنته من معلومات مهمة عن العلاج بالأعشاب والوقاية من الأمراض المختلفة.

ويعد ابن سينا من أشهر علماء المسلمين في الطب عامة، وفي مجال المعالجة بالأعشاب خاصة. سافر ابن سينا إلى بلاد عديدة حتى استقر به المقام في همذان حيث وضع كتابه الأشهر «القانون»، وهو موسوعة ضخمة في عشرين مجلداً ضمت علوماً مختلفة. أما الجزء الخاص بالطب في هذا الكتاب، فقد تكوّن من خمسة أجزاء، الأول في التشريح ووظائف الأعضاء وفي شرح الأمراض وأعراضها وأسبابها وقوانين العلاج، والأجزاء الثلاثة التالية خاصة بقوانين الطب وقوى الأدوية وأمراض الجسم مبتدئاً بالرأس حتى القدمين. أما المجلد الخامس، وهو الأقرباذين، فقد خصص للأدوية المركبة من الأعشاب. أبوبكر الرازي: كان من الأطباء المسلمين الذين برعوا في المعالجة بالأعشاب. درس الرازي الطب والصيدلة وعلم الكيمياء وأشرف على المستشفيات في مدينة الرّي وعلى مستشفيات بغداد بعد ذلك.

الأعشاب في الحضارات

اعتمد الإنسان في الحضارات القديمة، خاصة حضارة بلاد ما بين النهرين أو سومر وبابل وآشور وحضارة مصر القديمة على الأعشاب الطبية في معالجة الأمراض بجانب طرق أخرى منها الرقى والتعاويذ والسحر. آشور القديمة: استطاع الملك آشور بانيبال ان يجمع الكثير من المعلومات الطبية ويحفظها من الضياع. كان ذلك في القرن السابع قبل الميلاد. وقد قام العالم الأثري كامبل تومبسون بدراسة هذه الآثار وجمعها في كتاب «الأعشاب الآشورية». وقد ذكر فيه أكثر من مائتين وخمسين نوعاً من الأعشاب والعقاقير النباتية. وفي سومر، وجد علماء الآثار لوحة كتبت عليها اثنتا عشرة وصفة طبية، وهي أول دستور للأدوية في العالم.

ومن الوصفات التي جاءت بها لعلاج الصداع، نصف مقياس من الخردل المسحوق معجون بماء الورد، وتوضع فوق الرأس وتغطى برباط لمدة ثلاثة أيام. وفي مصر القديمة كان الاهتمام بالطب والصحة عظيماً. والمصريون القدماء هم أول من عرف التحنيط. وقد استخدموا لذلك مواد كيميائية حافظة أهمها ملح الطعام وملح النطرون والزيوت العطرية. كما برع المصريون القدماء في تحضير الأدوية. وقد عثر على عدة برديات طبية تعكس تفوق الفراعنة في طب الأعشاب. ومن أهم هذه البرديات «بردية ايبرس» التي تذكر أكثر من سبعين وصفة لعلاج أمراض الجلد والحروق والنمش والعناية بالشعر.

شيرين فاروق