لا تكاد الحركة تهدأ في أزقة مدينة خليل الرحمن الفلسطينية، العامرة بأهلها منذ أكثر من 6000 عام. فما تكاد أشعة الشمس أن تبزغ على الخليل حتى يبدأ دأب أولئك الذين وجدوا في السيراميك حرفة لهم، أملين بقضاء يوم فيه من الأمل وكسرة الخبز الكثير.

وبلا شك أن هذه الحرفة البسيطة ليست وليدة الأمس بالخليل، فهي تعود إلى أكثر من 400 عام خلت، خلالها ارتبطت الخليل بالسيراميك لتغطي بشهرتها معظم أقطاب الدنيا، فالأماكن السياحية وحتى الأسواق العادية في الخليل ومعظم مدن فلسطين لا تكاد تخلو من منتجات هذه الصناعة التي ما زالت تحتفظ بسحر ألوانها المشغولة بدقة. هذا العام لم تبق الخليل حبيسة حدودها، فقد خرجت من أزقة مدينتها القديمة لتعانق دبي في مهرجانها ولتحط بثقل صناعتها السيراميكية على ممشى جميرا بيتش ريزيدنتس، حيث كانت تقف لورينسا الإيطالية.

ولا أخفي أنني وللوهلة الأولى ظننت بأن لورينسا عربية، فملامح وجهها قريبة جدا من ملامحنا نحن العرب، ولكن سرعان ما اكتشف غير ذلك عندما بدأت حديثي معها بالعربية لترد علي بإنجليزية صافية، ولعل هذا الاكتشاف أثار في نفسي الفضول لمعرفة حكاية لورينسا التي وقفت في البرد بمواجهة الشاطئ في محاولة لترويج ما حملته معها من سيراميك فلسطين ومشغولات يدوية أخرى أبرزها الكوفية الفلسطينية.

وتقول لورينسا التي تقيم في دبي منذ أربع سنوات عن الأسباب التي دعتها لاختيار السيراميك الفلسطيني وعرضه في دبي: «السبب الأول هو شخصي، فقد أحببت فلسطين كثيرا عندما زرتها للمرة الأولى قبل نحو عام، حيث عشت فيها قرابة العشرة أيام، وخلال زيارتي لمعظم مدنها وخاصة مدينة الخليل التي تعبر مهدها، كنت أرى المشغولات اليدوية سواء في صناعة السيراميك أو صناعة الخشب وغيرهما في كل مكان، ولا أخفي إن صناعة السيراميك جذبتني كثيراً لما فيها من سحر وألوان لا تقاوم خاصة وإنها تصلح لأن تتحول إلى ديكور رائع في منازلنا، وقد أثارت في نفسي شغف الاقتراب منها ومعرفة طرق صناعتها، ووجدت أن أفضل طريقة هي الولوج إلى الورشات الصغيرة التي تقوم بإنتاجها، والتحدث مع أصحابها والعاملين فيها اللذين تعرف من خلالهم على طبيعة التحديات التي يواجهونها خاصة في تسويق المنتج».

وتضيف لورينسا: «لقد كانت تلك تجربة رائعة على الأقل بالنسبة لي، فقد اكتشفت بدخولي لهذه الورشات بأن صناعة السيراميك تعتبر حرفة أساسية في الخليل تحديدا، يعتمد عليها عدد كبير من الفلسطينين، وتعتبر مصدرا مهما في لتنمية الدخل الوطني، وهو ما دعاني إلى التفكير بطريقة ما أساعدهم فيها على نشر ودعم ما تنتجه أيديهم من مشغولات عبر إيجاد قنوات تجارية لها». وتواصل لورينسا: «بعد عودتي إلى دبي، بدأت العمل مع شريكي على إيجاد طرق عدة تؤدي إلى مساعدة هذه الصناعة ودعمها، وبدأنا العمل على استيراد البضاعة وعرضها في السوق، وقمنا بتخصيص نسبة معينة تذهب لمساعدة العاملين فيها وبعض الجمعيات الخيرية في فلسطين، علماً بأن معظم الصناعات التقليدية الفلسطينية تتميز بخصوصية معينة ما يجعلها قابلة للتصدير على الرغم من الظروف التي تعيشها الأراضي الفلسطينية، فاحتمالية وجود أسواق خارجية لها كبيرة جداً سواء في دول الخليج أو بعض الدول العربية وحتى الأوروبية أيضا».

وتشير لورينسا التي تنقلت بين عديد الدول، بأن منطقة البحر الأبيض المتوسط عموما تتشابه في صناعتها على الأقل في السيراميك، الأمر الذي يضع تحديات كثيرة أمام المنتج الفلسطيني، ولكن هذا لا ينفي ضرورة العمل على ترويج هذه البضاعة. لقد رأت لورينسا في مهرجان دبي للتسوق نافذة تمكنها من ترويج بعض القطع السيراميكية التي استوردتها من فلسطين، إضافة إلى تعريف زبائنها بهذه الصناعة وبتاريخها ومنشأها.

وحول هذه المشاركة تشرح لورينسا: «هذه المرة الأولى التي أشارك فيها بمهرجان دبي للتسوق، وبلا شك أعتبرها فرصة جيدة لتنفيذ ما نخطط له سواء في عملية ترويج وبيع البضاعة أو على الأقل بتعريف الجميع بها، خاصة وأن هذه البضاعة تحتفظ بنوع من السحر يتركز في دمج الألوان معاً وإن كان يهيمن عليها اللون الأزرق». وتواصل: «أعتقد أن وجودي في ممشى جميرا بيتش ريزدانتس قد يساهم في ذلك، فهو مكان جديد ورائع وهادئ وقادر على استقطاب الجميع خاصة السياح اللذين يتواجدون بكثرة في هذه المنطقة لقربها من الفنادق، إلى جانب أن اختيار إدارة المهرجان له كان موفقا حيث جمعت فيه معظم الأنشطة التي تتعلق بالفنون الجميلة».

وتمنت لورينسا أن تتمكن من المشاركة في مهرجان دبي للتسوق في دورته القادمة، كمحاولة لإبراز الصناعة اليدوية الفلسطينية وإيجاد قنوات تجارية تمكنها من الخروج من حالة الحصار الذي تعيش فيه

غسان خروب