اعترف في البداية، أنني لم أكن قادرة على رؤية أشلاء الشهداء، وصور العيون المفقوءة والأطراف المبتورة والوجوه المحروقة للجرحى، التي عرضتها شاشات التلفزة ليلاً ونهاراً، ولا أشاهد من الأخبار إلا وجبة واحدة قبل النوم، بعد أن أتناول أدوية خافضةً للسكري والضغط والدهون الثلاثية ومميعاً للدم حتى لا أصاب بالجلطة، وكل ذلك احتياطاً لما قد أشاهده، وأحياناً أغلق التلفاز وأكتفي بالموجز.

هذا لا يعني أنني لا ولم أتألم لما حدث في غزة، أو أنني لم أتابع ما يحدث هناك على مدار اليوم، لكنني أصبحت أعجز عن البكاء الذي يخفف من ضيق الصدر، فيتحول القهر داخلي إلى صداع شرس يفتك بقواي الجسدية والعقلية. من متابعاتي القليلة لاحظت أمراً لم أكن ألاحظه في السابق، دموع الرجال وهي تنهمر بغزارة على وجوههم، بعد فقدهم لأبنائهم وزوجاتهم وأقاربهم، بينما النساء لا يبكين. ما الذي جرى في غزة؟ هل تبدلت الأمور وأصبح الرجال أكثر قدرة على التعبير عن عواطفهم من النساء؟ أو أن الرجال قرروا أن يكونوا على طبيعتهم كبشر، يتألمون ويبكون ويتعاملون مع الأمور بما تستحق من مشاعر.

ربما يكون ذلك صحيحاً، ولن يحتاج بعدها الرجال لجلسات تفريغ نفسي عما أصابهم، حيث لم يعودوا يختزنون أحزانهم داخلهم لتقض مضاجعهم لسنوات طويلة قادمة، حتى تنفجر أحياناً تلك المشاعر في الزمان والمكان غير المناسبين، وربما تتحول لحالة اكتئاب مزمنة لدى البعض، أو موجات من الغضب والعنف لدى البعض الآخر.

من مستشفى الشفاء في غزة، كان مراسل قناة الجزيرة تامر المسحال ينقل كل ليلة فظائع ومآسي لا يتصورها البشر، إحدى النساء كانت تجلس على سرير المستشفى، تعاني من حروق في وجهها وفي بقية أنحاء جسمها، وإلى جانبها ترقد إحدى بناتها المتبقيات على قيد الحياة، والمصابة هي الأخرى بحروق شديدة، كانت تتحدث عما جرى لعائلتها، التي تعرضت لقصف بالقنابل الفسفورية المحرمة دولياً والحارقة.

ومما قالته أن عائلتها كانت تتكون من 17 فرداً، جميعهم إما استشهدوا أو أصيبوا بحروق شديدة، وأن زوجها وأحد أبنائها قد قطع رأسيهما، وباقي أفراد الأسرة إما استشهدوا أو هم جرحى، لكن الغريب أن تلك المرأة لم تدمع، ولم تكن منهارة كما تقتضي ظروف المصيبة التي ألمت بها، فهل هناك أقسى من أن تشاهد الزوجة زوجها مقطوع الرأس وابنها كذلك؟ فما الذي حدث لتلك المرأة؟ هل بكت من قبل حتى استنفدت دموعها؟ أم أن دموعها جفت؟ أم هناك رغبة لدى الإعلام بإظهار نسائنا قويات متماسكات وكأنهن لسن من البشر.

امرأة أخرى قابلها تامر المسحال في مستشفى الشفاء، عرفت نفسها بأم رامي، كانت تجلس بجانب حفيدتها المصابة، وقالت إن معظم أفراد عائلتها إما استشهدوا أو أصيبوا، لكنها هي الأخرى أيضاً لم تذرف حتى ولو دمعة واحدة.

أحد أفراد عائلة السموني الذين نكبوا ببيوتهم وأطفالهم ونسائهم ورجالهم، كان يبكي أمام الكاميرا وهو يروي حكاية عائلته، التي أجبرها جنود الاحتلال على التجمع في بيت واحد، وكانوا حوالي 120 شخصاً، ثم قامت الطائرات بقصف البيت الذي يتجمعون فيه، مما أدى إلى استشهاد ما يقارب الخمسين من الأطفال والنساء والرجال، وكان يناشد العالم بمحاولة الوصول لانتشال الجثث، وإنقاذ من يمكن إنقاذه ممن ظلوا أحياء تحت الأنقاض حتى لو كانوا مصابين، أبكاني ذلك الرجل، وكان صادقاً في تعابير وجهه المتألمة، وفي كلامه الذي خنقته الدموع أكثر من مرة. الصمود والتماسك واجب في المعركة، لكننا نظل بشراً، فليس من العيب أن نعبر عن مشاعرنا وألمنا، وإلا سنتحول إلى مجتمع يحتاج إلى آلاف الأطباء النفسيين لمعالجتنا.

حربنا مع العدو الإسرائيلي شرسة منذ بدايتها، وستظل كذلك، بدأت بمذابح في كل أرجاء الوطن، واستمرت المذابح على مدار أكثر من ستين عاماً، راح ضحيتها آلاف الشهداء وخلفت عشرات الآلاف من الجرحى والأسرى، وهناك أسر بكاملها أبيدت، ولم يبق منها إلا من كان خارج المنزل لحظة القصف، وعلينا إعداد أنفسنا جيداً لما تخلفه هذه المذابح من آلام نفسية وجسدية، فتلك النسوة اللواتي لم يبكين أمام الكاميرات، ربما لا زلن يعشن الصدمة، فهناك فئة من البشر تذهلهم الصدمة في البداية، حتى تنسيهم أحزانهم، طالما أن العيون مسلطة عليهم، والناس حولهم، لكن بعد انقضاء أيام العزاء وانفضاض الناس من حولهم، يعودون إلى أنفسهم، فيدركون حجم المصيبة، وعندها ربما ينفجرون بالانهيار، لكن المهم عندما يحدث ذلك، أن يجدوا حولهم من يخفف من مصابهم.

عطاف خالد - قطر