هناك في قرية الغوص على امتداد خور دبي.. يتجاوز الزائر المعنى التقليدي للغوص الذي امتهنه الأجداد، واقتنصوا عبره اللآلئ والدانات، وخلدوا حكايات من الصبر والكفاح، بل يغوص في تفاصيل الذاكرة .. عبر أشخاص افترشوا المكان واحتضنوا قصص التراث، في محاولة لإحياء دوره الأساسي في تخليد الشعوب، وتعريف الزوار والضيوف بالحرف والمهن التقليدية السائدة قديماً، وهناك أيضاً يجد الزائر ما يتمنى من أنواع الضيافة والكرم، التي جادت بها البيئة الإماراتية على بساطتها.
في رواق القرية، تصطف بيوت العريش التي تعرض جوانب مختلفة من الحياة الإماراتية بدءاً بأنواع الأطعمة المحضرة منزلياً، مروراً بأدوات الصيد .. وطرق حياكة الملابس النسائية.. انتهاءً بعلاجات شعبية.
وفي أول الصف تجلس إحدى البطلات الستينية «سعيدة» إلى جانب عريشها، تبوح بمهاراتها الفائقة في العلاج بالأعشاب، وتتحفظ على ذكر أسرار المهنة، إيماناً منها بأنه حق لا يجوز أن يتداوله الآخرون، تفخر سعيدة بأنها ساهمت بعون الله في شفاء العديد من الحالات المرضية التي استنفذ الطب الحديث جميع محاولات علاجها، وتؤكد بقولها «لجأت إلي إحدي السيدات التي تعاني من حروق خطيرة في يدها بفعل أحد المواد الكيميائية، وقد فشل الطب في علاجها، وقمت بصناعة مركب عشبي أثبت جدواه خلال ثلاثة أيام».
المهارات تتوالى عبر الأجيال، وذلك حتماً يساهم في بقائها وحفظها من الاندثار، تقول سعيدة أنها اكتسبت مهارة تحضير العلاجات العشبية من جدتها، التي إلى جانب ذلك كانت تمتهن «الكي» و«المساح»، بينما تتحفظ عن ذكر أنواع الأمراض التي تعالجها، بينما تصر أن لكل حالة مرضية تشخيص مختلف، يتطلب نوعاً معيناً من العلاج.
تستقبل سعيدة في عريشها الضيوف والزوار، وتبيع أيضاً للصغار أنواع من الحلوى، وبعض الأطعمة المحضرة منزلياً مثل السمن و«الآجار» و«المشاوه».
والتداوي بالأعشاب خبرات تداولها الأجداد ومازال البعض يستخدمها حالياً لعلاج عدد من الأمراض الجلدي وبعضها الخاص بالجهاز الهضمي، ولعل أبرز أنواع الأعشاب الحلول هو الاسم المتداول محلياً، لعشبة يسمى السنا وذكر أن مفعول السنا أقل حدة من خليط الأعشاب الموجود في الحلول أو العشرق، وقد تتباين أشكال العشبة ولكنها تتوحد في المفعول الملين والطارد للسموم، والمركب الدوائي (الحلول) خلطة من عدة أعشاب تجلب من الهند، هي الخروع، واليليلان (بذور الكزبرة)، واللبان، والزعتر البري والحبة السوداء، واليعدة والحلبة.
ويتم غسلها وغليها ويشرب ماؤها بارداً أو دافئاً، ويشبه في طعمه مذاق الشاي، وقد يضيف إليه البعض مسحوق الليمون المجفف أو الملح بغرض تحسين المذاق، أو ماء الورد حسب الرغبة.
سعيدة هي حكاية في سلسلة من القصص التي لايمكن أن تخرج من قرية الغوص دون أن تحمل عدداً منها في ذاكرتك، فالخبرات هناك تفترش الرمل .. وتُستمد من الأرض.
بعد المرور على بيوت العريش، وعند دنو الشمس من المغيب تستوقفك النسوة اللاتي يتساعدن في تنقية حبات الأرز، استعداداً لتحضير طبق محلي، للزوار وضيوف القرية، مثل «المجبوس».
عزف على التلي
في آخر المشوار هناك وقفة عند عزف صامت من نوع آخر، يبعث بزينة ملونة، على أوتار الكاجوجه وهي الآلة التي يتم نسج التلي والبادلة عليها، تخبرنا سلامة مرزوق عن التلي، وهو نسيج تدخل خيوط «البريسم» في تركيبته فتحدد اللون الغالب على التلي المختلف الأنواع حسب العرض وعدد الفتلات أو الخوصات، وتضيف: «أعكف على تجهيزه بنفسي، ويستغرق ذلك وقتاً طويلاً، في السابق لم يكن هناك ألوان متعددة غير الأبيض والأسود والأحمر، وتصنع »البادلة» من الخوص بعد تحديد اللون المناسب الذي تختاره المرأة ليناسب ألوان القماش الذي تقوم بتركيب «البادلة» عليه.
لا تنتهي الرحلة عند هذا الحد، بل تعبر الحكايات إلى مسامع الزوار دون توقف.
أجزاء البادلة
تتكون البادلة من البيت والنثرة وهي ما يوضع في نهاية البادلة على الأطراف، والأطراف حمر أو بيض. ومراحل صنعها تسري على النحو التالي، ينسج البيت، وهو ما يحتل منتصف البادلة، وعند الانتهاء منه تنسج »النثرة» من دون الفصل بين النسيجين، بعدها »القيطان» وهو عدة أنواع مثل: (السلسلة) أو (بوراس)، بحسب عدد خيوط الخوص. البادلة العربية لا تنسج لها حاشية في منتصفها إنما تتكون من البيت فقط في المنتصف وحسب رغبة المرأة في حجم البادلة.
ينسج البيت من خوصة أو خوصتين أو ثلاث وكلما زاد عدد الخوص زاد حجم البادلة.
أمل الفلاسي
