لا تزال منطقة عوافي تحتفظ بعذريتها، رغم أنف التطور الذي وسم إمارة رأس الخيمة، فهي تأبى فقدان بريقها الذهبي أمام جمود واسمرار الإسمنت، مذكرة الجميع برحلات الصيف والشتاء الماضية التي دأب أبناء هذه الأرض على ارتيادها كل عام.
لقد كان ارتفاع الكثبان الرملية وسماكتها سبباً في شهرة هذه المنطقة، التي تلبس مع كل شتاء ثوبها الأخضر المزركش بالورود، وقد استطاعت أن تسحر الجميع وتجذب عيون السياح إليها خاصة بعد تنظيم دائرة التنمية الاقتصادية للمهرجان السياحي الذي حمل اسمها واستقطب في دورته الأخيرة نحو 800 ألف شخص.وغداً سيلتقي عشاق «تصعيد» السيارات بموعد جديد مع مهرجان عوافي السنوي، الذي بات يمثل قبلتهم المفضلة في هذا الوقت.في هذا العام يبدو مهرجان عوافي الذي سينطلق في 16 يناير ويستمر حتى 7 فبراير، أكثر إصرارا على استقطاب أكبر عدد من هواة قيادة السيارات بين الرمال، وقد عملت إدارة المهرجان على توفير كل السبل لإنجاح المهرجان.
يقول المنسق العام للمهرجان حمد الشامسي: «حاولنا في هذه الدورة أن نغني فعاليات مهرجان عوافي مع المحافظة على طابعه العام، وذلك بإضافة بعض الفعاليات الجديدة مثل فعالية رياضية خاصة بالنساء، والتي تعقد للمرة الأولى في المهرجان، حيث ستقام في نادي الضباط برأس الخيمة، وغيرها من الفعاليات الرياضية التي عادة ما تبدأ بمباراة تجمع بين اللاعبين القدامى والجدد».
ومن حيث الافتتاح، قال الشامسي: «نظرا للظروف الحالية التي يمر فيها أهلنا في قطاع غزة، سيتم اقتصار الافتتاح على «تصعيد» السيارات، علما بأن فعاليات المهرجان المصاحبة ستكون غنية أكثر من الدورات الماضية، خاصة وأن عدد رعاة المهرجان لهذا العام وصل إلى 12 راعياً».
تاريخ المهرجان
وللتعرف على عوافي وتاريخ مهرجانها عن قرب التقينا فيصل عبد العزيز المطر، نائب المنسق العام السابق لمهرجان عوافي، الذي حدثنا عن بداية مهرجان عوافي.
حيث قال: «منذ أكثر من عشرين عاما ومنطقة عوافي تتربع على عرش السياحة في رأس الخيمة، فقد دأب الأهالي والسياح الباحثون عن الهدوء والسكينة على زيارتها والتخييم فيها بشكل دائم، خاصة في فصل الشتاء الذي تكتسي فيه بحلة خضراء تزينها الورود لتشبه في ذلك منطقة «مِزرع» الواقعة على شارع الإمارات. وهي معروفة بتلالها الشاهقة التي تشبه بعلوها تل مرعب بالعين، وهو ما جعلها مكانا خصبا لهواة «تصعيد» السيارات.
ارتفاع الإقبال على المنطقة شكل بارقة أمل لدائرة التنمية الاقتصادية برأس الخيمة لتحويلها إلى منطقة سياحية بحتة، عبر تنظيم فعاليات ترفيهية جاذبة لعائلات وزوار الإمارة، ونتيجة لاتفاق كل من الشيخ فيصل بن صقر القاسمي، رئيس اللجنة العليا لمهرجان عوافي مع نائبه الشيخ محمد بن كايد القاسمي، جاء قرار تنظيم مهرجان عوافي السياحي، الذي حاولا فيه الابتعاد عن فكرة المهرجان التسويقي الذي تنظمه الإمارات الأخرى.
الانطلاقة الأولى
لم تكن بداية تنظيم المهرجان في ربيع 2003 - 2004 سهلة، فقد تطلب إنجاح فكرة المهرجان بذل جهود كبيرة من قبل اللجنة التنفيذية للمهرجان التي كان يترأسها في ذلك الوقت نجيب الشامسي ونائبه فيصل عبد العزيز بن فارس، ودائرة الأشغال العامة في رأس الخيمة لتطوير المكان.
وقد بدأ تطبيق الفكرة بإقامة حفلات غنائية في المنطقة بهدف الاستفادة من أهمية المكان وتجميع العائلات في مكان واحد، مع المحافظة على عذرية المكان، وبالفعل بدأ العمل على إنشاء المسرح الذي استضاف العديد من الفنانين والفرق الشعبية.
وقد لاقت هذه الخطوة ترحيبا وإقبالا واسعا من قبل مرتادي المنطقة، وهو ما دفع القائمين على المهرجان إلى العمل على دعم هذه الفكرة بإنشاء المقاهي والمطاعم التي توفر احتياجات الزوار الأساسية، بالمقابل كان لا بد من استغلال المنطقة لإحداث تفاعل بين الزوار أنفسهم، فكان اقتراح تنظيم عدد من الفعاليات الرياضية مثل كرة القدم والطائرة، ولذلك أنشئت اللجنة الرياضية برئاسة عبد الرحمن الشرهان وبمشاركة الحكم الدولي بدر البدري.
ورغم بساطة الدورة الأولى للمهرجان إلا أنه كان لهذه الفكرة وقع خاص على الجميع، خاصة بعد تنظيم اللجنة التنفيذية لحملات دعائية ضخمة شملت كرنفالات في شوارع الإمارة وطائرات تجوب سماء الإمارة حاملة لافتات ضخمة للمهرجان.
ولم يكن في الدورة الأولى اهتمام ملحوظ بسباق «تصعيد» السيارات إنما كان التركيز منصبا على الفعاليات الرياضية، إلا أن القائمين على المهرجان لاحظوا أثناء الدورة الأولى مدى اهتمام الشباب بهذه الهواية، وارتيادهم للمنطقة لممارسة «التصعيد» على التلال المرتفعة، ومن هنا جاءت فكرة تنظيم بطولة «تصعيد» السيارات في العام التالي، حيث بدأ العمل على تنظيم المكان وتهيئته بوضع قوانين تحمي الجميع من أي خطر قد يقع نتيجة لهذا السباق، بالتنسيق مع الشرطة والدفاع المدني التي من شأنها حفظ الأمن والسلامة في المنطقة.
تصعيد السيارات
وقد قامت اللجنة التنفيذية بإنشاء لجنة التجهيزات ولجنة السيارات برئاسة محمد أحمد بن هندوان لتنظيم بطولة تصعيد السيارات، وهو ما دعا بن هندوان إلى تقسيم البطولة إلى شقين الأول: خاص بسيارات الدفع الرباعي فئة 6 سلندر، والثاني لفئة 8 سلندر، بحيث يجب على المشارك في البطولة بلوغ الخط النهائي في اقصر وقت ممكن، وقد وجدت هذه البطولة اقبالا كثيفا من قبل هواة «تصعيد» السيارات.
ورفعت من حدة التنافس فيما بينهم، كما قامت اللجنة بإنشاء حلبة خاصة لهواة «التفحيط»، وعملت اللجنة على فتح المجال أمام الجميع للمشاركة في البطولة وسط أجواء أمنه، وبهذه البطولة تحولت عوافي الى مكان مثالي يفرغ فيه الشباب طاقاتهم ويمارسون هواياتهم في القيادة بدلاً من وسط المدينة.
وتمكن الإعلان عن البطولة من استقطاب آلاف من محبي هذه الرياضة، لدرجة وصلت فيها سمعة المكان إلى دول الخليج الأخرى، وأصبحنا نرى فيها مشاركون من الكويت والسعودية وقطر، وهو ما حدا باللجنة التنفيذية للمهرجان إلى تنظيم السباق ليصبح بطولة يتنافس فيها الجميع على الفوز.
ورغم أن البطولة مفتوحة أمام الجميع إلا انه يشترط في المشارك أن يكون حاصلا على رخصة قيادة، والالتزام بقوانين السلامة وعدم تزويد سيارته بأي مواد سريعة الاشتعال، وكذلك توفر طفاية حريق داخلها، وحاليا تدرس اللجنة فرض لبس الخوذة على المشاركين في البطولة لمزيد من الحيطة والحذر.
القرى التراثية
تمثل عوافي منطقة سياحية مهمة، فماذا أضاف إليها المهرجان؟
منذ انطلاق مهرجان عوافي في دورته الأولى، شهدت المنطقة إقبالا عالياً من عشاق التخييم، فعلى امتداد منطقة المهرجان، تنتشر العزب والشاليهات تفوق بعددها الـ 500 عزبة، بني بعضها من الخشب وسعف النخيل والبعض الأخر من الخيام الجاهزة،.
ليقضي فيها مرتادو المكان وقتا ممتعا بين أحضان الطبيعة ذات الكثبان الرملية الذهبية، مستمتعين بباقة متنوعة من الفعاليات والفقرات الترفيهية التي تحمل بين طياتها نكهة تراثية، وقد شددت اللجنة المنظمة للمهرجان بالتعاون مع هيئة حماية البيئة على عدم إدخال مواد الإسمنت أو الطابوق أو حتى الألوان التي لا تتفق والجو الصحراوي، بغية المحافظة على طبيعة وعذرية المكان وصداقته للبيئة.
ولقد شجع هذا الإقبال دائرة التنمية الاقتصادية على إنشاء قرية تراثية متكاملة تضم بين جدرانها أكثر من 24 جناحا تقدم فيها المأكولات الشعبية مثل الهريس والثريد والبرياني واللقيمات وغيرها وكذلك الازياء الاماراتية وغيرها، كما ينظم فيها العديد من الفعاليات التراثية مثل ركوب الخيل والإبل وتقام على مسرحها العديد من المسرحيات وعروض الفرق الشعبية التي تقدم يوميا وعلى طول فترة المهرجان ثلاث عروض تتضمن رقصات العيالة والليوة والحربية،.
وقد ازداد المكان جمالا في الدورة الأخيرة إثر استضافة رقصة اليوله التي حظيت بمتابعة أعداد كبيرة من زوار المكان، كما تتضمن القرية فعاليات أخرى متنوعة تثري من قيمة المكان وما فيه من ترفيه، وقد روعي فيها تخصيص ركن للألعاب الالكترونية والألعاب الأخرى التي تمنح الأطفال وقتا مليئا بالمرح والترفيه.
وإلى جانب هذه القرية، بني في المكان ثلاث قرى خاصة يمكن للزوار والسياح الاستراحة والنوم فيها، حيث تقدم فيها كافة الخدمات الفندقية، وقد قام أصحابها بالتعاون مع بعض الشركات السياحية العاملة في الدولة لاستضافة مجموعات من السياح وزائري الدولة فيها.
ورغم ذلك تبقى الأسرة على رأس اهتمام اللجنة التنفيذية التي يرأسها حمد حسن رحمة الشامسي، والتي تعمل على استحداث وتوفير كل ما يمكن ان يفيد الاسرة ويربطها بالمكان.
غسان خروب

