رحل أسطورة من أساطير الفن الأصيل.. صاحب التاريخ الحافل بفن راق رومانسي غير مبتذل بعد رحلة طويلة مع المرض توفي على إثرها أمس في بيروت الفنان الكبير منصور الرحباني عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاماً قضاها في دنيا الفن. وكان قد عانى في الفترة الأخيرة من مشاكل في الرئتين اضطرته لدخول المستشفى أكثر من مرة، وكان آخرها من قرابة شهر.
حيث مكث في مستشفى «أوتيل ديو» في بيروت ومنعه الأطباء من مغادرته قبل الاطمئنان على صحته، ولكنه ليل الاثنين وفجر الثلاثاء توفي في المستشفى المذكور ليطوي صفحة من صفحات الفكر والإبداع انطلق بها مع شقيقه عاصي، وتابعها وحده بعد وفاة عاصي، واستمر بتشجيع شقيقه الأصغر الياس الرحباني.
إلا أن الفنان منصور الرحباني شكّل مع ولديه أسامة وغدي ثلاثي إنتاجي فني مهم تابعت الخط المستقيم الذي التزم به مع شقيقه الراحل، وأسسوا سوياً أعمالاً زادت من زخم الفن العربي الجيد والثقافي والإبداعي.
ومنصور الرحباني المولود في بلدة انطلياس عام 1925 هو واحد من اثنين شكلا في تاريخ الموسيقى العربية ما عرف بالأخوين رحباني، حيث كان لهما الدور الأساسي في نقل الأغنية اللبنانية من عصر إلى آخر. فبعد استقالته من عمله في الشرطة اللبنانية وبعد دراسته الموسيقية سنوات اجتمع منصور الرحباني مع شقيقه عاصي تحت اسم الأخوين رحباني متخطين حواجز الفردية والأنانية ودخلا معا الإذاعة اللبنانية سنة 1945 مزودين بلونهما الفني الجديد.
الأخوان رحباني ألفا الكثير من الأعمال الفنية منها الاسكتشات التي عرفت تحت اسم «سبع ومخول» وعندما اقترن عاصي الرحباني بنهاد حداد التي عرفت فيما بعد باسم فيروز سنة 1955 شكل الثلاثة معا الثلاثي الرحباني الجديد.
استوحى الرحبانيان موسيقاهما من التراث العربي الإسلامي الماروني البيزنطي والفولكلور اللبناني وكلها تيارات شرقية بالإضافة إلى تعمقهما في الدراسة الموسيقية الكلاسيكية الغربية.
كتب المسرح الرحباني للوطن والأرض والتاريخ والمستقبل والفقراء البسطاء واهتم بالفولكلور اللبناني اهتماما خاصا وناصر القضايا العربية الكبرى فكانت أغنيات لفلسطين منها «زهرة المدائن» و«سنرجع يوما» و«جسر العودة«.
قبل خوض المجال الفني كان اتجاه العائلة الرحبانية ثقافياً محضا لهذا جاءت معظم أعمالهم الفنية ثقافية، فقد أسس الراحل عاصي الرحباني في عمر الرابعة عشرة مجلة اسمها «الحرشاية«، كان يكتبها بخط يده باللغة العربية الفصحى أو بالعامية اللبنانية ويذهب في نهاية الأسبوع ليقرأها من بيت لبيت. في عام 1944 بدأت مرحلة جديدة في حياة عاصي ومنصور، حيث قدما المسرحيات الطويلة وتلحين الأغاني القصيرة التي لا تتجاوز مدتها 3 دقائق وبدأت إذاعتا الشرق الأدنى ودمشق تذيع أعمالهما.
وتأثر منصور وعاصي بسيد درويش ومحمد عبد الوهاب وكونا فرقة لتغني شقيقتهم سلوى أغانيهم للإذاعة.وتتلمذ على يد الأستاذ «برتران روبيار» وتعلما من خلاله أصول الموسيقى الغربية، وتعرفا أثناء الدراسة إلى المخرج صبري الشريف الذي أخرج فيما بعد أغلب مسرحياتهما الغنائية.
وفي عام 1960 قدم الإخوان الرحباني أولى مسرحياتهما الغنائية على أدراج بعلبك بعنوان «موسم العز» بطولة صباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين.
في عام 1961 قدما أولى مسرحياتهما مع فيروز ونصري شمس الدين بعنوان «البعلبكية». وفي عام 1962 قدما مسرحية «جسر القمر» على مسارح بعلبك ودمشق. لتبدأ سلسلة من المسرحيات الغنائية الناجحة مع فيروز ونصري شمس الدين مثل «أيام فخرالدين» و«هالة والملك » و«الشخص» و«جبال الصوان» و«ناطورة المفاتيح» حتى آخر مسرحية مع فيروز بعنوان «بترا» في عام 1977.
بالإضافة إلى ثلاثة أفلام غنائية: «بياع الخواتم» و«سفر برلك» و«بنت الحارس«. والعشرات من الأعمال التلفزيونية والحفلات في مختلف العواصم العربية ولندن والولايات المتحدة وأميركا الجنوبية.
في عام 1972 وبعد تقديم مسرحية «ناطورة المفاتيح» تعرض عاصي لنزيف حاد في الدماغ، وفي عام 1979 قدم الإخوان رحباني آخر حفلاتهما مع فيروز على مسرح الاولمبيا في باريس. ثم كان الانفصال بين عاصي وفيروز. ولتبدأ فيروز حياتها الفنية المستقلة.
في عام 1980 قدم الإخوان رحباني أولى مسرحياتهما بعد الانفصال عن فيروز بعنوان «المؤامرة مستمرة» بطولة رونزا وملحم بركات، ثم تبعتها مسرحية أخرى في العام 1984 بعنوان «الربيع السابع» أيضا مع رونزا وملحم بركات. وكانت تلك المسرحية سببا في إرهاق عاصي وتدهور صحته وليدخل حالة الغيبوبة حتى سلم أنفاسه الأخيرة في صباح الحادي والعشرين من يونيو 1986.
وبعد رحيل عاصي استقل منصور قطار الفن حاملاً معه شعار الرحابنة المؤسسين لهوية فنية عربية وتابعها، وقبل رحيل منصور سلّم الشعلة إلى أولاده وأحفاده وأولاد أخيه الياس المتبقي من أسرة الرحابنة، ليتابعوا مشوارهم بالفن الجيد والثقافي والذي يحمل نكهة خاصة ميزتهم دائما.
دبي ـ أسامة عسل
