في مكتبه التراثي، في منطقة البستكية، المطل على خور دبي، استقبلنا المهندس رشاد محمد بوخش، مدير إدارة التراث العمراني بكل حفاوة، يشرح لنا بدون كلل المهام الملقاة على عاتقه في الحفاظ على المباني التاريخية التراثية التي يعتبرها جزءاً من الهوية الثقافية العربية. فهو ليس موظفا تقليديا فحسب بل عالم تميّز بأبحاثه ودراساته في ميدان اختصاصه، ورغم انشغالاته العديدة فهو يدرّس مادة التراث المعماري في الجامعة الأمريكية في دبي.

وعلى مكتبه تتوزع العديد من الإصدارات التي تتعلق بتخصصه في ترميم المباني التاريخية والحفاظ عليها. وفي سؤالنا عن هذه الكتب،أجابنا قائلاً: «إن إدارة التراث العمراني قامت بإصدار حوالي 30 كتاباً ونشرة خلال السنوات الماضية». هل تعتقد أن الحفاظ على التراث العمراني في زمن تشهد فيه دبي ثورة عمرانية حديثة قد يهدد القديم في دبي؟ إن الحفاظ على القديم يعني أن نتطلع إلى المستقبل، ولا أعتقد أن الثورة العمرانية الحديثة التي تشهدها دبي تؤثر على قديمنا ما دمنا نعمل على صيانته وترميمه والحفاظ عليه.

ورسالتنا هي الريادة في التراث العمراني. ومما لا شك فيه أن الحفاظ على التراث هو جزء من الهوية التاريخية لحضارتنا القديمة ويجب علينا الحفاظ عليها من أجل الأجيال القادمة، فهي من حقها أن تعرف كيف كان الأسلاف والآباء يعيشون على هذه الأرض. وفي عملية الحفاظ على هذا التراث إنما نقوم بالحفاظ على التراث العالمي نتيجة للعلاقات الموجودة بين دول الخليج والعالم.

وكذلك تصبح المباني التي نقوم بترميمها مرجعاً معرفياً للمهندسين المعماريين في طرق البناء مثلاً حيث نقدم كيف كان أسلافنا في يبنون البارجيل ويستخدمون المواد في بنائها. وهذا يتيح لنا أيضاً تشجيع السياحة التراثية لأن من يأتي من السياح إلى بلدنا يريد أن يتعرف على تاريخ هذه المنطقة.

كيف تطورت إدارة التراث العمراني عبر هذه السنوات؟

مرت إدارة التراث العمراني بعدة مراحل تنظيمية حيث بدأت في عام 1991 كوحدة لترميم المباني الأثرية من ضمن إدارة التخطيط كانت تتكون من 10 موظفين، ثم ارتقت في عام 1994 إلى قسم المباني التاريخية في إدارة المشاريع العامة إلى أن أصبحت إدارة بحد ذاتها عام 2008 في قطاع الهندسة والتخطيط تحت مسمى إدارة التراث العمراني. وحالياً يعمل فيها نحو 380 موظفاً من بنائين وحرفيين ومهندسين ومعماريين ومختلف الاختصاصات.

ما هي أهم الانجازات التي قامت بها إدارة التراث العمراني؟

تقوم الإدارة بتنفيذ سياسات الحفاظ على أكثر من 530 موقعاً تاريخياً تشمل مباني تاريخية وواجهات تراثية وساحات وفراغات عمرانية منتشرة في المنطقة التاريخية وخارجها، وذلك من أجل الحفاظ على الموروث العمراني وأصالته.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه تم خلال السنوات الماضية الحفاظ على 124 مبنى تاريخياً و 40 واجهة تراثية و55 مشروعاً عاماً في مجال التراث العمراني وقد شملت إجراءات الحفاظ: ترميم المباني التاريخية وإعادة بناء البعض منها إلى جانب تأهيل 9 متاحف و 3 فنادق و3 مطاعم تراثية وغيرها. ولولا جهود إدارتنا لذهب الكثير منها.

كيف تساهمون في الجانب الروحي للمحافظة على التراث؟

نحن مستمرون بدراسة المناطق التاريخية في دبي مثل الأسواق والمساجد والبيوت القديمة ولدينا مهندسون ومخططون يقومون بذلك، ومن أجل استكمال هذه المهمة نقوم بمقابلة كبار السن، وقد أجرينا نحو 100 مقابلة بعضها نشر وبعضها لم ينشر بعد.

ومن خلال كلامهم وملاحظاتهم نقوم بترجمته إلى الواقع العملي أي نقوم باستكمال بناء النصف المتهدم من البنايات أو إعادة بنائها على الشكل القديم.

ومكتب الاستشارات لدينا يقوم بترجمة كل ذلك إلى واقع هندسي. كما نشرف ونراقب المناطق التاريخية لغرض الحفاظ عليها، بدون تشويه، وحتى في البناء الجديد يجب المحافظة على الواجهات القديمة، وقد قمنا ببناء مدن على طراز البناء القديم مثل مدينة جميرا التي استوحت كل مبانيها من مراجعنا ووثائقنا التي تحولت إلى دليل في الخليج العربي كله في مجال الزخرفة والهندسة والديكورات الداخلية. ويمكن أن أذكر لك أيضاً منتجع المها ومنتجع الشمس ومشروع قرية الثقافة وواجهة الخور.

هل تقومون بالبناء بأنفسكم دون الحاجة إلى المساعدات الخارجية؟

لدينا قسم تنفيذ المشاريع وهي شركة مقاولات تحتوي على نحو 350 موظفاً من بنائين وسباكين وحرفيين وغيرهم ونقوم بالعمل مباشرة ولدينا ورشة عمل متكاملة للترميم الدقيق. ونصنّع الأبواب والنوافذ والسقوف القديمة. وقد انتهينا من تنفيذ نحو 10 مشاريع بتكلفة 10 ملايين درهم.

وعلى مدى 17 عاماً قمنا بترميم قرابة 130 مبنى تاريخيا في دبي، تضم الأبراج والمساجد والأسواق والبيوت القديمة وإعادة تأهيل 11 متحفاً تراثياً و8 مساجد . ومن أهمها متحف دبي وبيت الشيخ سعيد آل مكتوم والمدرسة الأحمدية وبيت التراث وقرية حتا التراثية، كما قمنا بتنفيذ أول متحف عالمي للجمال أي بيت الهجن وبيت للخيل وهناك متحف للصقور.

كيف تقومون بتنمية وعي الناس وخاصة الشباب بالتراث؟

من أجل نشر الوعي بالتراث، نخطط الآن أي لعام 2009 إقامة نحو 200 فعالية تشمل المدارس الابتدائية الثانوية والجامعات. وعلى سبيل المثال، قمنا بدراسة بين 130 طالبا واكتشفنا أن 50 أو 60 % منهم يمتلك هذا الوعي من خلال طرح أسئلة مثل: ما هو الشكل القديم للبيت في الإمارات، هل هو سقف مائل أو بارجيل أو بناية شقق؟ وما هو أكثر حيوان منتشر في الإمارات: الفيل أو الجمل أو الزرافة؟ ولدينا برامج على الانترنيت ودورات ومناهج أخرى في هذا المجال.

هل سينحصر نشاطكم ضمن البلدية؟

كلا، سننضم قريباً إلى هيئة دبي للثقافة والتراث، وهناك مؤسسة كاملة خاصة بالتراث تعنى بالتراث المادي والتراث غير المادي. ونحن نعتقد إنه من الضروري الحفاظ على هويتنا الثقافية في ضوء التطور السريع لإمارة دبي.

هل لديكم نشاط خارج إمارة دبي؟

نعم، لقد قمنا بترميم مسجد البدية في إمارة الفجيرة، عمره قرابة 55 عاماً وكذلك قمنا بترميم حصن عجمان والآن نقوم ببعض الترميمات في رأس الخيمة، أما خارج الدولة فقد قمنا بترميم واجهات المباني المطلة على قلعة حلب قبل أكثر من 15 عاماً. وحالياً نحن في طور البدء بترميم مدرسة ابن صالح في مراكش وعمرها قرابة 500 عاماً، وهناك مشاريع أخرى في بعض البلدان العربية.

هل قمتم بتقديم طلبات إلى اليونسكو لضم هذه المرافق التراثية إلى لائحة التراث العالمي؟

نعم بدأنا بتسجيل المباني التراثية لدبي القديمة في اليونسكو لتكون ضمن لائحة التراث العالمي من أجل تعريف العالم بتراثنا.

شاكر نوري