شكلت المقاهي ومنذ زمن بعيد ملاذا للهاربين من هموم الحياة ومشكلات الأسرة والعمل، ومكان تجمع الأصحاب و«الشلة» ومتنفس الرجال الوحيد الذي يخرج مكنونات أنفسهم وتتم فيه مناقشة تجارب حياتهم الاجتماعية والمالية سواء الحلوة أو المرة لتشكل هذه الأحاديث الاستشارة المجانية لهم في الحياة.

ففي الآونة الأخيرة فرضت المقاهي نفسها وبقوة على الساحة الاجتماعية، وصار الكل يرتادها، الكبير والصغير، الغني والفقير، العامل والعاطل. وتلونت تبعا لتكاثر الناس عليها، ما بين الراقية ذات خدمات «الفايف ستار» وبين «دكات» المحلات القديمة، ومن أكواب «الكابتشينو» و«الإكسبرسو » إلى «إستكانات» الشاي الأحمر «السليماني» وشاي «الكرك الهندي» .

وتصدرت المقاهي الشعبية القديمة في الساحل الشرقي أولويات المتقاعدين الذين أعلنوا لأنفسهم ولمجتمعهم عن وقف الإنتاجية في حياتهم بشتى صورها، ليجدوا في الجلوس على طاولات المقاهي الصغيرة للعب الورق والطاولة أو« الدومينو» ملاذا جديدا لقضاء ساعات اليوم. وأخذت أجواء اللعب عندهم تصل في بعض الأحيان إلى العشرين جولة متواصلة يتنافس فيها فريقان يتكون كل واحد منهما على الأقل من شخصين، تضفي عليها المراهنات على الخاسر بدفع الحساب جوا من المتعة والمنافسة ينسيهم هموم الحياة و أمراضها، فضلا عن أن الشوارع التي تحتضن مقاهي كبار السن تكون حية بالأصوات التي تتعالى جراء تجمعاتهم اليومية.

الأوضاع تغيرت

في حديثنا مع أحد رواد المقاهي من المتقاعدين قال: إن تسارع عجلة الحياة وغلاء الأسعار وتغير الأوضاع ضيق عليهم خناق البحث عن تجارة بعد التقاعد فوجدوا بمعونة أبنائهم الذين كبروا واستقروا متنفساً جديداً لحياتهم بعد سنوات طويلة من العمل. والمقهى ما هو إلا حديث الصحف وجولات من لعب الطاولة والدومينو، نتآزر بها بدل أجواء الوحدة في المنازل، فأكبر هموم زوجاتنا أصبحت مراعاة الصحة وتربية الأحفاد، وأبناؤنا أصبحنا لا نراهم إلا في إجازة نهاية الأسبوع، وتجمعنا في المقهى هو نافذتنا على الحياة، نناقش من خلالها هموم الأمراض ومشاكل الأبناء في إطار اجتماعي جميل.

وذكر إسماعيل محيوس أن البداية كانت لقضاء وقت الفراغ، ولكنها أصبحت مع الأيام عادة لا يمكننا أن نستغني عنها، فالتجمع في أحد بيوت الرفاق ليس بمتعة الجلوس على الطريق حتى ولو كانت إمكانيات المقهى بسيطة فإنها تفي بالغرض حيث نرى العالم الخارجي ونتبادل أخبار الأهل والأصدقاء ونستمتع بالمأكولات الشعبية الطيبة.

ويشير محيوس إلى أن أجمل ما في المقاهي القديمة أكواب الشاي الزجاجية القديمة التي تتميز بعدم وجود محمل جانبي لها، فهو يفضلها مقارنة مع الأكواب الحديثة، كما أن المقاهي القديمة تجيد صنع الشاي الهندي «الكرك» دون غيرها من المقاهي الحديثة. ورغم بساطة الطاولات الخشبية التي تفترش التراب وعدم وجود مظلات تحمينا من أشعة الشمس إلا أننا نعتبرها ميزة تشعرنا بالهواء الطلق وبحرارة الشمس حتى المغيب الذي يعلن عن نهاية جولات اللعب، وينادينا إلى الصلاة.

ويعقب زميله الكتبي أن المقاهي القديمة لا تكون مزدحمة بل تقتصر على بعض الأفراد الذين تتكرر وجوههم كل يوم، وأغلبهم من الأهل والأصحاب، فمن لم تجده في المقهى من الأصحاب يمكنك أن تلقي علية التحية إذا صادف ومر بالطريق لأن موقعنا على الطريق مكشوف للمارة. ويضيف: إن المقاهي القديمة تسمح لنا بأخذ راحتنا في الكلام والتعليق بصوت مسموع بعيدا عن هدوء وإتكيت المقاهي الحديثة، التي تقتصر في بعض الأحيان على قراءة الصحف وشرب القهوة. بل ووضع لها حديثا تقسيمات داخلية تعزل الزائرين عن بعضهم البعض.

مقاهي الشباب

وفي حين قبول البعض لفكرة مقاهي المتقاعدين بعد رحلة شقاء انتهت على مقاعد المقاهي القديمة بعيدة عن الأجواء الاجتماعية والدينية التي يفرض على المتقاعد أن يؤديها، إلا أن مشكلات مقاهي الشباب أغلقت ملف كبار السن لما تحمله من سلوكيات خاطئة بدأت تنتشر بدون رقيب، فتكاثر الشباب على المقاهي وجلوسهم يدخنون الشيشة على أرصفة الشوارع دون أن يشعر البعض بمرور الصلوات في المساجد المجاورة، أو بحاجة الأسرة والأبناء لهذا الوقت بدل أن يمضوه في البحث عن الراحة الشخصية.

ولكن تنامي هذه الظاهرة بين بعض الرجال وزيادة ساعات الجلوس على مقاعد المقاهي، إلى جانب ابتكار أصحاب المقاهي خدمات جديدة للترفيه عن الزبون وللبحث عن عدد أكبر منهم، جعل بعض المقاهي تأخذ بعدا اجتماعيا جديدا سبب مشكلات اجتماعية، غيرت من نظرة المجتمع للمقاهي بعد أن كانت تشكل مجالس لمشاهدة المباريات العالمية المشفرة، ومكاناً للحديث عن هموم العمل والتجارة، ومتنفساً لمناقشة أحداث المجتمع ومستجداته.

خدمة نسائية

وفي إطار البحث عن كل ما هو جاذب للزبون، قام بعض أصحاب المقاهي في الساحل الشرقي بتوظيف النساء من جاليات عربية وآسيوية للخدمة في مقاهي الرجال. وعلى اعتبار أن المقاهي في الساحل الشرقي ما زالت مقتصرة على العنصر الرجالي شكلت هذه خدمة النسائية الجديدة جذبا كبيراً للشباب المراهقين والبالغين، واستدعى بهم الجلوس ساعات طويلة على المقهى وتجربة كل ما يقدم من مشروبات وتبغ، وخدمات أخرى شوهت من صورة مرتادي بعض المقاهي.

حيث تعالت في الأصداء الاجتماعية معاناة الأسر وبعض النساء من جراء جلوس أزواجهم وأبنائهم لساعات طويلة على مقاعد المقاهي ذات الخدمة النسائية وأصبحت الشكوى تطال حتى الإذاعات المسموعة لتوصيل الرسالة إلى المسئولين وأصحاب المقاهي الذين لا يراعون إلا الربح في ذلك دون أن ينظر إلى المسألة على أنها أداة جديدة من أدوات تخريب الشباب والأسر.

حيث إن ما يحدث في هذه المقاهي مخالف للقيم والتقاليد. فما أكده بعض الشباب المتردد على هذه المقاهي دون أن يصرحوا بأسمائهم، أن الخدمة النسائية في المقاهي تضمن لصاحب المحل دخلا ماديا اكبر مقارنة مع المقاهي الأخرى، فضلا عن إقدام بعض الشباب على الزواج السري من بعض العاملات ممن هم من جاليات عربيات دون إدراك العواقب.

وبتوجيه السؤال إلى إدارة التوجيه الأسري في هيئة الشؤون الإسلامية والأوقاف قال الشيخ الواعظ حسن أبو العينيين: إن الخدمة النسائية في الأماكن المخصص للرجال فقط هي أداة تلويث للعفة والكرامة الإنسانية حيث لم يأتِ الإسلام ليحرم الكبائر فقط بل حرم كل مقدماته وكل ما يكون سببا في إفشاء الفاحشة بين الناس.

وإذا حكمت ظروف عصرنا اليوم بعمل المرأة فإنه وضع لذلك ضوابط لابد على المسلم أن يحرص عليها كانت منذ عهد سيدنا موسى عليه السلام، حيث وجد ابنتي شعيب عليه السلام عند البئر، دفعهما كثرة الرجال على البئر للتنحي جانبا فسألهما موسى عليه السلام (ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل) أدبا منه عليه السلام.

وأبرم الله تعالى بهذه القصص مثلا للمؤمنين ليقتدوا بها، إلا أن بعض الناس قد هانت عليهم كرامتهم بأن يستغلوا المرأة، حتى يأتي الناس على محلاتهم ليشتروا مستغلين شهواتهم إما لضعفهم أو لصغر سنهم. فإنهم بذلك لا يحترمون المرأة ولا ينزلونها المنزلة التي تليق بها، وليتقي أصحاب المقاهي ربهم في تجارتهم الدنيوية. وأدعو الله أن يعودوا إلى رشدهم ويتوبوا إلى الله قبل أن يأتي يوم لا مفر منه من الله.

ووجه الواعظ دعوة إلى النساء بالإصلاح المنزلي الذي قد يكون له الأثر الأكبر في منع الشباب من اللجوء إلى المقاهي لتمضية الوقت. في حين ردت الجهات المسئولة من قبل حماية المستهلك بأن مساعيهم لمعالجة المشكلة تشوبها أمور كثيرة تبدأ بالتصاريح التي توافق عليها هيئات العمل والعمال وتنتهي بمبادرة بإصدار مرسوم سامٍ يوقف هذه التجاوزات اللاأخلاقية.

ابتسام الشاعر