في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة هذه الأيام يقع الكثير من المتسوقين بين مطرقة الحاجة إلى المواد الأساسية وسندان الغلاء في أسعار السلع المغلف هو الآخر بالتخفيضات الوهمية هنا وهناك التي تستدرج المتسوقين ليفاجأوا بأنهم يسعون وراء السراب.
ولا شك أن السعي لدى الكثيرين للحصول على أسعار مخفضة لمشترياتهم يمثل هاجسا حقيقيا يستهلك الكثير من وقتهم وهم يطاردون الإعلانات المتعددة التي تغص بها واجهات المحال والمراكز التجارية صغيرة كانت أم كبيرة. ويصطدم العديد من هؤلاء المتسوقين خلال رحلتهم هذه بتناقضات كبيرة بين ما تطالعهم به الإعلانات المختلفة عن نسب التنزيلات التي يقدمها المحل وبين الأسعار الفعلية التي تباع بها البضائع، حيث أشار كثيرون ممن التقيناهم في إطار هذا التحقيق إلى عدم وجود أي تغيير يذكر في السعر قبل الإعلان وبعده.
فيما يؤكد آخرون بأن بعض التجار يعمدون إلى زيادة الأسعار لبضائعهم تحت غطاء التنزيلات مستفيدين من الحالة النفسية التي وضعوا الزبون فيها بفعل الإعلان والتي تجعله يعتقد بأن في الأمر فرصة لن تتكرر أو لن تعوض ويجب عدم تفويتها، ومن جهة أخرى أكد آخرون بان الأمور ليست على هذا النحو دائما حيث أنهم كثيرا ما يحظون بفرص حقيقية من هذه التنزيلات تجعلهم يخرجون وهم في غاية الرضا. والحقيقة أن الإعلانات المستمرة طوال العام التي تقوم بها الكثير من المراكز التجارية عن تنزيلات على أسعار بضائعها أدخلت الشك إلى قلوب المتسوقين حول جدية الأمر انطلاقا من معرفتنا المتواضعة بأن للتنزيلات مواسم محددة ولا تتم طوال العام كما هو قائم.
انقسم رأي الزبائن حول جدية التنزيلات للمحال التجارية منهم من رأى أنها حقيقية بحيث يحصل الزبون على البضاعة التي يريدها خلال فترة التنزيلات بأسعار مخفضة وبنسب كبيرة أحياناً عما كانت عليه قبل الإعلان عن هذه التنزيلات. ويرى آخرون أن هذه التنزيلات ومن واقع تجربتهم الشخصية غير حقيقية حيث ذهبت حماستهم للحصول على ثمار هذه التنزيلات المعلن عنها في وسائل الإعلام المطبوعة أدراج الرياح.. إذ فوجئوا بأن الأسعار لا تختلف مطلقاً عن مثيلتها في الأوقات العادية.
وفي الإطار نفسه يرى البعض أن التنزيلات التي تعلن عنها المراكز التجارية الكبيرة أو التي تحمل عنواناً لماركات عالمية شهيرة حقيقية بالضرورة ويمكن الحصول على أسعار مخفضة لديها.= ويرون أن الإعلان عن التنزيلات في المحال الصغيرة أو تلك التي لا تحمل منتجاً لماركات معروفة عالمياً غالباً ما يكون غير حقيقي، ولا يعدو عن كونه «جعجعة دون طحن» على حد تعبيرهم.
جذب انتباه
محمد حسين الذي كان يختفي خلف لافتة كبيرة تحمل الرقم 25% في أحد مراكز التسوق وهي حجم النسبة المخفضة على ما يعرضه في محله من بضائع، قال: إنهم يعلنون عن تنزيلات على بضائعهم وهي خليط من الألعاب والمواد الكهربائية التي تندرج في إطار ألعاب الأطفال في إطار إستراتيجية لجذب انتباه الجمهور لما يعرضونه خاصة وأن المحل ما زال في طور البدايات.
وأشار إلى أنه لكي يقوم بهذا الإعلان على بضاعته حصل من دائرة التنمية الاقتصادية على تصريح يخوله ذلك، موضحاً بأن العملية لا تتم كيفما اتفق بل بناء على إجراءات إدارية محددة يقوم بها أصحاب المحال وشروط يلتزمون بها، قد يكلفهم تجاهلها غرامات مالية متعددة.
واعتبرت «شيماء» أن اللجوء إلى التنزيلات من قبل أصحاب المراكز التجارية إحدى الوسائل الذكية لترويج بضائعهم، حيث يمنح الزبون بموجب ذلك تخفيضاً للأسعار تحفزه للإقبال على الشراء، فيما يواصل التاجر تحقيق الأرباح وإن بشكل أقل من السابق مع المحافظة على عدم تجميد أمواله انتظاراً للأرباح الكبيرة التي قد لا تأتي، موضحة بأن هذه العملية «التنزيلات» غالباً ما يقدم عليها أصحاب المحال في حال تكدس بضائعهم وانخفاض الإقبال عليها.
وأكدت أن ما يعلنون عنه من تنزيلات حقيقي، وهدفهم منه جذب الزبائن إلى محلهم الجديد كأسلوب لجعل زيارتهم للمحل مسألة تأخذ طابعاً روتينياً وسلوكاً يومياً من قبلهم، مشيرة إلى أنهم لا يخسرون مطلقاً من رأس مالهم، بل يحدث قليل من التراجع في الأرباح فقط في عملية تعتبر على المدى البعيد إضافة مهمة إلى رصيد المحل من النجاح التجاري.
دراسة معمقة
جمال السعيد أحد المشرفين على عملية البيع في محل للألبسة الرجالية قال إنه لا يعرف شيئاً عن الآلية الإدارية لحدوث التنزيلات، مشيراً إلى أنه يستطيع تقدير مدى الإقبال على نوع معين من البضاعة، فيقوم بالاستناد إلى هذه الخبرة برفع توصية إلى الإدارة بوضع صنف معين في قائمة التنزيلات كون الإقبال عليه متدنيا قياساً لغيره من الأصناف مما يقتضي إطلاق عملية إنقاذ بهدف تسويقه وبسرعة.
وأشار السعيد إلى أن وضع وتحديد الأسعار للصنف المراد إدراجه في قائمة التنزيلات عملية تخضع لدراسة معمقة ترتكز بشكل رئيسي على تحقيق التوازن بين عدم التراجع عن رأس المال للصنف وبين سعر البيع، وأكد بأن التنزيلات حقيقية بالنسبة لهم فلا يمكن لماركة شهيرة أن تلعب بسمعتها بين الجمهور مقابل أرباح بسيطة.
ويرى «أحمد الخطيب» مدير صالة في المركز الخاص لبيع كاميرات التصوير وأجهزة الهاتف النقال أنهم في المركز يقومون مرة أو مرتين في العام بالإعلان عن تنزيلات على بعض الأصناف لديهم، والتي غالباً ما تتم كعملية في إطار تدوير رأس المال.
وحول الرقابة على أسعار التنزيلات أشار إلى أن المفتشين من دائرة التنمية يقومون بجولات مستمرة على مختلف المراكز التجارية للتأكد من حسن الأمور وضبط أية مخالفة محتملة. وأكد على جدية التنزيلات التي تعلن عنها مؤسسته انطلاقاً من حجمها واسمها التجاري الكبير، والذي يجعل لجوئها إلى الغش التجاري مسألة مستحيلة، لأنها من تقامر بسمعتها مقابل أرباح مؤقتة.
فيما يؤكد عبد الناصر سليم صاحب محل أحذية أنه يقوم بالإعلان عن تنزيلات على بعض الأصناف لديه دون الحصول على تصريح من أي جهة، مؤكداً بأنه لم يسبق لأي مفتش أن قام بزيارته في المحل للتفتيش على الأسعار أو على نسبة التنزيلات.
وقال شريكه أحمد إسماعيل إن قضية التنزيلات تحمل في طياتها في بعض الأحيان خداعاً للجمهور وذلك بهدف جذب الزبون عبر الدعاية التي تغريه بمطاردة الأسعار المنخفضة، مشيراً إلى أن الزبون يفاجأ بأن الواقع ينسف ما جاء به الإعلان على واجهة المحل، موضحاً بأن الأسعار في مثل هذه الحالة غالباً ما تكون مماثلة لتلك التي كانت عليها قبل الإعلان عن التنزيلات.
وأضاف بأنه وعقب افتتاح محلهم بأيام قليلة قدمت له إحدى السيدات نصيحة كي يقوم بالإعلان عن تنزيلات على بضاعته كخطوة لجذب الزبائن، وأكد بأن هذه النصيحة من السيدة الخبيرة كانت في محلها حيث أصبح المحل مزاراً للكثيرات والكثيرين الذين يطاردون الأسعار الأقل.
خالد اللوباني
