طرحت ورقة العمل الثانية في الندوة سؤلاً هاماً عن مفهوم النوع الاجتماعي تصورات فلسفية أم حقائق علمية؟ أعدها وقدمها عبدالسلام محمد درويش المرزوقي رئيس الإصلاح والتوجيه الأسري بدائرة محاكم دبي.

وأكد عبد السلام المرزوقي بأن «الفلسفة الجندرية» تسعى إلى تماثل كامل بين الذكر والأنثى، وترفض الاعتراف بوجود الفروقات، وترفض التقسيمات، حتى تلك التي يمكن أن تستند إلى أصل الخلق والفطرة، فهذه الفلسفة لا تقبل بالمساواة التي تراعي الفروقات بين الجنسين، بل تدعو إلى التماثل بينهما في كل شيء. كما أشار إلى أن النوع الاجتماعي فلسفة نسوية غربية تعبر عن أزمة الفكر الغربي في مرحلة ما بعد الحداثة.

ويجدر بنا هنا أن نتنبه إلى أن هذه الفلسفة لا تقوم على أسس علمية، بل هي تصورات فلسفية تتناقض مع معطيات العلم الحديث، وتتناقض مع الواقع الملموس للرجل والمرأة، ولا تملك هذه الفلسفة الدليل على إمكانية إلغاء الفروق بين الرجال والنساء، وليس لديها الضمانات التي تجعلنا نطمئن إلى أن تطبيق هذه الفلسفة سيأتي بنتائج إيجابية، ويبدو أن المجتمعات الغريبة لا تزال تنزلق في متاهات الفلسفة المادية، أما النتائج فهي ماثلة في الواقع الاجتماعي الغربي، وتكمن خطورة هذه الفلسفة في أنه يراد لها أن تكون فلسفة البشرية على مستوى العالم ولم يقدم لنا تجربة ناجحة تكون المسوغ لقبول مثل هذه التجربة الخطيرة على كيان المجتمعات والأسر والأفراد والإنسانية.

وأفاد بأن الدراسات العلمية في العقدين الأخيرين أثبتت أن الفروق البيولوجية بين الذكر والأنثى تنعكس بوضوح على طريقة التفكير، وعلى الميول وعلى السلوك. وقد انعكست هذه البحوث العلمية في عالم التربية، حيث تتبنى الغالبية العظمى من علماء التربية سياسات تربوية تقوم على أساس الفروق بين الجنسين، وضرورة مراعاة هذه الفروق في العملية التربوية، أي أن البحوث العلمية ومعطيات علم التربية جاءت منسجمة مع الإجماع البشري، الذي يقوم موقفه على أساس علمي، وهو التجربة والملاحظة عبر آلاف السنين.

وذكر بأن بعض ما يميز النساء والرجال يتمحور في أن الرجل أكثر اهتماماً بعالم الأشياء، في حين أن النساء أشد اهتماماً ونجاحاً في عالم الأشخاص، المرأة تطلب التواصل وتحب العلاقات الشخصية، وهي تميل أكثر إلى الكلام في العواطف، لذا فهي ترى نفسها تحقق نجاحاً عندما تفلح في إقامة علاقة شخصية حميمة. في حين يعتبر الرجل نفسه ناجحاً عندما يفلح في عالم الأشياء «الصناعات مثلاً»، ويظهر الرجل رغبة في المنافسة، في حين تظهر المرأة رغبة في المشاركة.

ويظهر ذلك واضحاً في ألعاب الذكور والإناث، من هنا نجد أن الارتقاء الوظيفي هو دليل نجاح في نظر الرجل، في حين ترى المرأة أن نجاحها يقاس بقدرتها على العطاء والتواصل، المرأة أقدر على قراءة الشخصية، ولديها حدس قوي، في حين نجد أن الرجل أقدر على الإحساس بالمكان والاتجاهات وقراءة الخرائط. وأكد المرزوقي بأن الإسلام عزز الفوارق الفطرية بين الرجل والمرأة كما حارب كل مظاهر الظلم والعدوان، وحارب العادات والتقاليد والأعراف التي ظلمت الإنسان وعلى وجه الخصوص المرأة.

يجب مراعاة الفروق الفطرية الحقيقية، وينبغي في المقابل التنبيه إلى الفروق المصطنعة، والتي هي كثيرة في هذا العالم المتلون بألوان شتى من العقائد والثقافات والأعراف، كما أن الشريعة الإسلامية توازن بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع، فلا هي اشتراكية تهضم حق الفرد، ولا هي رأسمالية تهضم حق المجتمع وإن ما تدعو إلية فلسفة «الجندر» اليوم لهو إغراق في الفردية إلى درجة تهدد كيان المجتمعات التي هي ضمانة لحقوق الأفراد وهي تظلم المرأة عندما تدعو إلى التماثل بين الرجل والمرأة وهي بذلك تجهض الدعوات الجادة إلى المساواة، لأن المساواة تقضي أن نأخذ الفروق بعين الاعتبار، حتى نوازي في الحقوق والواجبات.

وأشار المرزوقي إلى أن المواثيق الدولية تطالب بالقضاء على الأدوار النمطية للمرأة وهي أدوار المرأة المتعلقة بالإنجاب وأدوار ربة البيت المتفرغة لرعاية أطفالها وتطالب كذلك بتعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية للقضاء على العادات القائمة على فكرة تفوق أحد الجنسين وتدعو إلى اتخاذ جميع التدابير المناسبة بما في ذلك التشريعي منها لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف التي تشكل تميزاً ضد المرأة.