دعا صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، إلى الاستمرار في إخضاع التشريعات والقوانين لمجهري المراجعة والتحديث، انسجاماً مع ما يشهده العالم من تطورات في المجالات كافة.
وأكد سموه في كلمة عبر مجلة درع الوطن بمناسبة اليوم الوطني السابع والثلاثين لقيام الدولة على أهمية وجود بناء تشريعي يتجاوب مع المتغيرات، ويتناسب مع المعايير الدولية لتحصين المركزين التجاري والمالي للدولة.
لعل تصريح صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، يضع العاملين على صياغة التشريعات تحت ضغط شديد، لأن معظم قوانيننا لم تتعرض للتغيير بالرغم من أن المتغيرات كثيرة وكان ذلك يجب أن يستتبعه تشريعات تواكب تلك المتغيرات. ولا نريد أن نقع في أخطاء تشريعية تجعلنا نغير التشريع بمجرد صدوره كما حدث لقانون الإجراءات الجزائية الاتحادي عندما صدر في نهاية عام 2005 وصدر بعده تعديل يعدل بعض نصوصه.
تنطلق أهمية القانون من كونه حاجة أساسية لتنظيم سلوك الأفراد في المجتمع على نحو ملزم، وتنظيم العلاقات فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين السلطة العامة من جهة ثانية، وهو بالإضافة إلى ذلك حاجة لتنظيم العلاقات فيما بين الدول والجماعات. إن مجموعة القواعد القانونية السائدة في دولة ما هي التي تظهر مدى انسجام هذه الدولة مع المعايير الدولية وبعدها عنها، فالنظام القانوني في الدولة يعكس إستراتيجية الدولة ويحدد برامجها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعلنة لمجتمعها وللعالم من حولها.
صياغة التشريعات فن لابد لتمام معرفته من دراسة مستفيضة وتجربة طويلة، ومن حق له أن يمارس صياغة التشريعات أو أسندت له هذه المهمة فلابد له من أن يكون لديه قدر كبير من العلم والمعرفة في علم القانون وأصوله، عارفاً بتاريخ القانون وتطوره، مدركاً لظروف الزمان والمكان والبيئة التي نشأت فيها القواعد القانونية السابقة قادراً على التفرع منها إلى الفروض التي هو راغب أو مكلف بوضع حلول لها على شكل قاعدة قانونية من صفاتها العموم والتجريد والإلزام.
إن الأسباب الموجبة لصياغة التشريع مسألة لها أهمية كبرى في تهيئة الوقائع التي تُظهر المصالح المرغوب بحمايتها أو تنظيمها بموجب تشريع، وعلى أساس هذه الوقائع تقوم مهمة المتخصصين في المراحل اللاحقة في تحويل الأسباب الموجبة إلى قواعد قانونية عامة ومجردة وملزمة. إن مرحلة إعداد الأسباب الموجبة تستدعي توفير الكفاءات المختصة بموضوع الحاجة التي تستوجب التنظيم القانوني، والكفاءات ذات الخبرة والمعرفة بالسياسة العامة للدولة في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى خبراء في علم القانون في فروعه المختلفة وبما في ذلك القانون الدولي العام.
توفير الكوادر البشرية المناسبة واحد من التحديات الرئيسية المؤثرة في تحقيق فعالية لجنة التشريعات بإنجاز المهام المنوطة بها على الوجه الذي يضمن الإسهام في بناء النظام القانوني في الدولة بصورته المرغوبة، وبما يحقق الاستقرار في الحياة العامة، والانسجام مع معايير الدولة.
إن الكفاءات المطلوبة لهذه الغاية هي تلك المتحصلة على تأهيل علمي واحتراف مهني قائم على تجربة طويلة، ومعرفة واعية بفقه التشريع وأصوله، ومصادر التشريع والثقافة القانونية السائدة في بيئة الزمان والمكان، وفقه القانون المقارن وفن التحليل والكتابة، وبالإضافة إلى ذلك لابد من توفر عدد من المستشارين ذوي التأهيل والخبرة في القطاعات الاقتصادية والمالية وقطاعات الأعمال المختلفة. تلك اللجنة بحاجة إلى مجموعة تساندها لترسيخ النصوص التي ستقوم بدراستها.
يقصد بالمجموعات المساندة هنا جمهور واسع من قطاعات الأعمال والمهن المختلفة وفقهاء القانون والشريعة الإسلامية والقضاة والمحامين وأساتذة الجامعات وكبار الموظفين الإداريين في أجهزة الدولة. إن مثل هذه المجموعات تساعد إلى درجة كبيرة في إثراء الجهاز الرسمي للديوان بمعارف متنوعة وآراء متعددة تساعد في إنضاج القاعدة القانونية بعد الاطلاع على وجهات النظر المتعددة.
إن ضمان جودة التشريعات يستوجب قيام ديوان التشريع بوضع معايير موضوعية لتقويم أداء المستشارين والمساعدين تحتوي على مجموعة من العناصر التي يمكن من خلالها التعرف على كفاءة كوادر هذا اللجنة وجدارتها. لقد حان الوقت بأن يكون لدينا جهاز دائم وليس مجرد لجنة معنية لصياغة القوانين ومراجعة النصوص المختلفة وإعداد مسودات القوانين.
نقطة وأول السطر..
كتب رجل لحكيم يقول:
لم تبخل على الناس بالكلام؟
فقال الحكيم: إن الخالق سبحانه وتعالى قد خلق لك أذنين ولساناً واحداً لتسمع أكثر مما تقول، لا تقول أكثر مما تسمع.
بقلم : القاضي الدكتور جمال السميطي
مدير عام معهد دبي القضائي
