على الرغم من تطور تقنيات الطب الحديث وزيادة التخصصات الطبية التي أصبحت في كثير من الجامعات تركز على التخصص في التخصص بمعنى أن طبيب العيون أصبح يتخصص في علاج القرنية لوحدها، والجراح أصبح يتخصص في جراحة عضو معين من جسم الإنسان، إلا أننا في المقابل نجد أن «الحجامة» تمشي بثبات واضح على الرغم من التزاحم الهائل في التقنيات والأطباء وسعي العديد من الدول الأوربية والعربية إلى تنشيط هذا القطاع والدفع به ليصبح أحد الموارد المالية لتلك الدول.

وكما هو الحال بالنسبة للطب الذي نجدة يتطور يوما بعد يوم نجد الحجامة تتطور بشكل مماثل وإن كان التطور في استخدام المعدات والتجهيزات اللازمة لإقناع الراغبين بمستوى الأمان وتطبيق المعايير الطبية، إلا أن هذا التطور ينقصه عدم توافر الخبرات الكافية للحجامين أنفسهم والذين سعى الكثيرون لامتهان الحجامة كمصدر للكسب المادي بغض النظر عن دور الحجامة في علاج الكثير من الأمراض التي وردت في كتب الأولين وأثبتتها الدراسات الحديثة.

وحول تاريخ الحجامة يقول سمير الساعدي وهو أحد الحجامين في مدينة العين ويزاول المهنة منذ سنوات طويلة يقول: أول من استخدم الحجامة في العلاج هم الفراعنة وذلك بحسب ما أشارت إليه العديد من المؤلفات وكان استنادهم على الرسوم التي كانت المصدر لكثير من أخبار الفراعنة، وقد وجدت رسوم على مقبرة توت عنخ آمون ومعبد كوم أمبو، وعلى الكؤوس المعدنية والمصنوعة من أشجار البامبو، إضافة إلى قرون الحيوانات التي كانت أطرافها مدببة ما يدل على أنهم استخدموها لشفط الدماء، كما استخدم المصريون الكؤوس الزجاجية وانتقلت بعد ذلك إلى المنونين سكان جزيرة كريت ثم إلى السومريين.

وقبل 4000 عام قبل الميلاد بحسب ما أشارت إليه كتب صينية كان الصينيون يستخدمون الحجامة للتداوي من أمراض الدرن الرئوي وكانوا يستخدمون كاسات النار في علاج المفاصل والأمراض الناتجة عن البرد.وفي الهند عرفت الحجامة منذ ما يقارب 3000 عام قبل الميلاد كما ورد في كتاب الايوربدا باللغة السنسكريتية القديمة وكانوا يذهبون للحجامة لعلاج الأمراض ذات العلاقة بالدم، وكان الإغريقيون يعتقدون أن الأرواح الشريرة هي التي تسبب أمراض الجسم ولذا كانوا يثقبون الجمجمة لإخراج الأرواح الشريرة أو يلجأون للحجامة لإخراجها ثم تطورت الحجامة ولقيت رواجا كبيرا لديهم بسبب تدني مستوى الخطورة فيها على الإنسان، واهتم الرومان بالحجامة لدرجة أنه كان يوجد لديهم قرابة 900 حمام تمارس فيها الحجامة بعد الاستحمام وكان يتم بطرق آمنة ومازالت تلك الحمامات موجودة في فلسطين.

وعرف العرب الحجامة والكي ووصف الأعشاب منذ زمن بعيد وكان من أشهر أطبائهم ابن حزيم الذي كان يملك معارف طبية واسعة، وعند ظهور الإسلام بدأ المسلمون في التدواي بها ولكن من هنا بدأت بشكل وأسلوب مختلفين بداية بالاهتمام بالتواريخ والأيام المحددة وفق التاريخ الهجري وهذا ما أثبتته التحاليل والدراسات الحديثة.

وسيلة آمنة

وحول درجة الأمان أثناء الحجامة يقول الساعدي: يثار أن الحجامة تنقل الأمراض المعدية كالفيروس الكبدي والايدز وغيرها ولكن السؤال هنا لماذا لم تكن تنتقل في الماضي على الرغم من بدائية المواد المستخدمة وغياب أدوات التطهير ومواقع ممارسة الحجامة والتي كانت حكرا على الحلاقين أو من يعملون في الحمامات، على العكس في الوقت الحالي الذي نشهد فيه تطورا في أماكن إجراء الحجامة أو المواد المستخدمة من مشارط وكاسات ومعقمات تكفل ضمان عدم انتقال أي مرض، مع التأكيد على أن عملية الحجامة إذا ما دققنا في خطواتها فسنجد أنها لا تساعد على نقل الأمراض إذا ما طبقت بالشكل الصحيح.

ويؤكد الساعدي على التأثير الايجابي في علاج الكثير من الحالات عن الطريق الحجامة وذلك ما أكده الناس الذين يحضرون للحجامة فبعد الانتهاء منها نجدهم وقد استفادوا طبيا بشكل واضح ولذلك نجدهم يعيدون الكرة كلما شعروا بوعكة صحية تستدعي الحجامة على الرغم أن توصيات الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تنص على أن تكون الحجامة عادة سنوية لتخليص الجسم من الدم الفاسد.

وإن كان البعض يعتقد أن التبرع بالدم يغني عن الحجامة فهذا ادعاء غير صحيح لأن التبرع يكون من الوريد ويكون الدم الجيد الذي يذهب للتبرع وعلى العكس الحجامة تكون بسحب كميات من الدم من مناطق تجمع ولذلك نجد في كثير من الأحيان الدم المتدفق مائلا للسواد كما تكون كثافته عالية ما يؤكد أن هذا الدم فاسد وليس كذلك الذي يسحب من الوريد أو من أي منطقة أخرى.

علاج ل80 مرضاً

وحول الأمراض التي تعالجها الحجامة يقول بلال محمد وهو أحد الذين يمارسون الحجامة ويسعى إلى التعلم بشكل مكثف حول هذا التطبب الذي وصفه بالنبوي بعد أن أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم في العديد من الأحاديث النبوية، تفيد الحجامة قرابة الثمانين حالة بين مرض وعرض، وذلك بحسب ما وصل إليه العديد من ممارسي الحجامة وأشارت إليه العديد من الكتب ذات العلاقة والتي تحدثت عن الحجامة كطب بديل ومن تلك الأمراض التي تعالجها الحجامة الروماتيزم.

والنقرس، والشلل النصفي، والكلى، وضعف المناعة، والبواسير وتضخم البروستاتا، والغدة الدرقية، والضعف الجنسي، وارتفاع ضغط الدم، وقرحة المعدة، والقولون العصبي، والتبول اللاإرادي في الأطفال فوق خمس سنوات، وضيق الأوعية الدموية، وتصلب الشرايين، والسكر، ودوالي الساقين والخصية، والسمنة، والنحافة، والعقم، والصداع الكلي والنصفي، وأمراض العين، والكبد، والكلى، وضعف السمع، والتشنجات، وضمور خلايا المخ، ونزيف الرحم، وانقطاع الطمث، وغيرها من الأمراض.

وحول الإقبال على الحجامة يقول إن الراغبين في الحجامة في تزايد مستمر واعتقد أنها ستجد رواجا كبيرا خلال الأعوام القادمة على الرغم من تقدم الطب الحديث، إلا أننا نسمع عن لجوء الأوربيين وغيرهم للحجامة بعد أن أجروا عليها البحوث والدراسات وتأكدوا من جدواها وفائدتها العظيمة إذا ما تم تطبيقها وفق ما أشار إليه الرسول الكريم من حيث المواقيت والمواضع، والدراسات أثبتت كل ما ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

رأي الدين في الحجامة

يؤكد يحيى محمد عيشان امام وخطيب مسجد حموده بن علي،على أهمية الحجامة ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى ضرورة الاحتجام للتخلص من الدم الفاسد، وكان ذلك لسببين أحدهما التطبب والآخر الوقاية، بمعنى طرد الدم الفاسد والذي يسبب العديد من الأمراض كنوع من الوقاية، وكذلك إبعاده لأنه سبب أمراض عدة، وبطرده يتحقق الشفاء بإذن الله تعالى، ولكن بين هذا وذاك يحتاج المرء إلى الاعتقاد بفائدة الحجامة لأنه إذا ما أداها بدون اعتقاد فلن يشعر بجدواها ولن يلمس نتائجها على صحته.

ويضيف قائلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يترك ناحية من نواحي الحياة إلا وصب فيها من وصاياه بداية من الطعام وأصوله والنوم والزواج والعمل والراحة في الحرب والقتال مرورا بالسلم والسلام وفي ينابيع الأرض والبحار وفي الكون والأفلاك لنجده أوتي من كل شيء علما.

وكان كذلك الأمر بالنسبة للحجامة بعد إدراكه حادثة الفناء وأن كل شيء يبلى فمهما كان الكبد والطحال جادين في عملهما فلابد من مساعدتهما على أداء دورهما الهام في تنقية الدم من الشوائب وإزالة الهرم منه وإبداله بدماء جديدة وكانت تلك نظرته صلى الله عليه وسلم عندما أوصى بالحجامة كما ورد في أحاديث عدة.

ويشير عيشان إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن خلال أحاديث كثيرة تناول تفاصيل دقيقة للحجامة بداية من فوائدها ومرورا بمواقيتها والتي تعتبر غاية في الأهمية حتى تعطي الفائدة المرجوة منها، وانتهاء بمواضع الحجامة، ومن الأحاديث التي وردت في فوائد الحجامة يقول صلى الله عليه وسلم: «نعم العبد الحجَّام يذهب بالدم، ويخف الصلب، وتجلو عن البصر».

وفي مواعيد الحجامة يقول عليه أفضل الصلوات والسلام: «إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة ويوم تسع عشرة ويوم إحدى وعشرين» وقوله صلى الله عليه وسلم: «الحجامة تكره في أول الهلال ولا يرجى نفعها حتى ينقص الهلال»، وفي التوقيت يقول صلى الله عليه وسلم: «الحجامة على الريق أمثل وفيها شفاء وبركة». وبالنسبة لشهور السنة حددها صلى الله عليه وسلم بقوله: «استعينوا على شدة الحر بالحجامة»، ولأن الحر يكون في فصل الصيف لذلك يستعد الناس لاستقباله بالحجامة في فصل الربيع وتعتبر أفضل المواقيت السنوية.

وينصح عيشان بالحجامة سواء للعلاج أو للوقاية ويرى أن مجرد الاقتداء بالسنة النبوية المطهرة علاج في حد ذاته وإن اعتقد البعض بعدم حصول الفائدة إلا أنها تحققت فعلا وإن كان البعض لا يشعر بها، ففي بعض الحالات عندما لا يطبق الحجام التوقيت الصحيح قد يلاحظ أن الدم ليس بنفس الوصف الذي نسمع عنه.

ولكن هنا قد لا يكون الدم الفاسد خرج من الجسم ولكن هناك فوائد أخرى تحققت، ونرجع ونؤكد على أهمية الحرص على التوقيت المناسب ووقت عمل الحجامة خلال اليوم أي في أول الصباح وقبل تناول وجبة الإفطار، ثم تجنب المشروبات والمأكولات المنهي عنها لمدة 24 ساعة بعد عملية الحجامة، ومتى ما طبقنا الحجامة وفق شروطها الصحيحة وامتنعنا عن المشروبات والمأكولات التي نهي عنها فإننا سنحقق الفائدة المرجوة منها بإذن الله تعالى.

سليم المستكا