عرض ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي فيلم «مصطفى بن بو العيد» عن قصة البطل الجزائري التاريخي «بن بو العيد» القائد الحقيقي للثورة الجزائرية التي أطلقها من سجنه، ورغم ذلك لم يعتبر نفسه يوما القائد، فقد كان يرى في الشعب أنه القائد الحقيقي ولم يطمع يوما بالقيادة أو الرئاسة ورفض بقوة صفة الزعيم، والعمل تحفة سينمائية تستحق المشاهدة أكثر من مرة، وفي لقاء لـ «البيان» مع مخرجه الجزائري أحمد راشدي كان الحوار التالي:

هل تتفق معي على إنكار بو العيد صفة القيادة لديه؟

أخرجت عددا من الأفلام حول موضوع الثورة الجزائرية، وكانت كلها تنطلق من شعار يردد في الجزائر منذ الاستقلال، ان الشعب هو القائد والبطل الوحيد في الكفاح، ولذلك كان التركيز بالدرجة الأولى على الشعب.

* كيف وقع اختياركم على الممثل حسان قشاش الذي قام بدور بو العيد؟ ــ بحثنا عن شخصية البطل في كل أنحاء الجزائر، وبلغ عدد المرشحين للدور الذين التقينا معهم نحو 600 شخص إلى أن وقع اختيارنا على حسان قشاش، ليس لأنه يشبه بن بو العيد ولكن لأننا كنا نبحث عن شخص لديه كاريزما وعنده حضور قوي على الشاشة، كما ينبغي أن يظهر إيمانا قويا بالقضية الوطنية. وبن بو العيد ذاك الرجل الذي ضحى بكل شيء يمتلكه من أجل قضية تحرير الجزائر.

* هل عرض الفيلم في الجزائر؟

ــ أقتصر عرضه في الجزائر على المستوى الرسمي وأسرة الشهيد وزملائه، ولأول مرة في تاريخ السينما الجزائرية يحضر رئيس جزائري عرضا سينمائيا، وقد حضر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة العرض الأول وحضر العرض الأول أيضا جميع المجاهدين الذين كانوا يناضلون مع مصطفى بن بو العيد. وحضر العرض أيضا أفراد أسرة الشهيد. والحقيقة فإن العرض الأول أثار كثيرا من الشجون وأرجعنا لمرحلة النضال الوطني.

كيف نجحتم في إقناع وزارة الدفاع بمشاركة جنودها وطيرانها في تمثيل المعارك؟

عندما يقتنع المسؤولون أن الفيلم يؤدي دورا وطنيا ويخدم قضية الشعب الجزائري، لا يمكن أن يترددوا في وضع كل إمكاناتهم من أجل خدمة الصالح الوطني، وبالفعل وضعوا تحت تصرفنا كل إمكاناتهم.

هل تعتقد أن الفيلم في هذه المرحلة يهدف إلى حث الجزائريين على الالتفاف حول قضية وطنية واحدة والتخلي عن التشرذم والرضا بالعيش تحت سقف واحد كعائلة واحدة، كما كان في سنوات التحرير؟

من الضروري جدا أولا إحياء الذاكرة النضالية الكفاحية للشعب الجزائري، لأن الأجيال الجديدة لا تعي بالضبط ما هي الثورة وما هو حجم التضحيات الكبيرة التي قدمها آباؤهم وأجدادهم من قبل، حتى يتم انتزاع الاستقلال بالقوة وليس بالوسائل التفاوضية والسلمية. لقد اختفت الذاكرة الكفاحية، فبعد أربعين سنة تتحدث للجيل الجديد عن تلك الأيام الخالدة وتسأل من هو مصطفى بن بو العيد فيكون الرد ربما اسم شارع أو أن مصطفى واحد من أولئك الشهداء الذين قضوا في حرب التحرير.

لقد تلاشت مثل هذه القصص البطولية من الذاكرة ونحن نؤمن بأنه لا بد من الحفاظ على الذاكرة لأنها وسيلة للربط بين ما كان في الماضي وما هو عليه واقع الحال الآن.

ـ ما التقنيات التي استخدمت للتصوير من أماكن مرتفعة أثناء إدارة المعارك في جبال الأوراس؟

استخدمنا كل التقنيات الحديثة المتوفرة في صناعة الإخراج السينمائي من «الستيدي كام» إلى التصوير من الهليوكوبتر، ويحتاج مثل هذا الفيلم إلى توظيف تقنيات عالية. تلاحظ خلال انفجار جهاز اللاسلكي بالقادة الستة أن الكاميرا لم تكف عن متابعة تفاصيل المشهد طوال 15 دقيقة وهي فترة طويلة نسبيا، لأن الملل كان سيتسرب إلى القلب لو كانت الكاميرا ثابتة.

تابع الجمهور الفيلم بشغف كبير وانفعال، وكنا في لهاث متواصل ومتابعة لكل حركة للكاميرا، وكانت مؤثرة وقوية في مشاهد المعارك، ولكننا وجدناها هادئة وحانية عندما حادث بو العيد زوجته بعد الهروب من السجن. المشهد قصير ولكنه جعلنا نستريح لأول مرة ونلتقط أنفاسنا منذ بداية الفيلم.

لقد استوعبت زوجة مصطفى الأوضاع، ولو بمرارة، وكانت تعي حجم المخاطر التي يقدم عليها زوجها، وتعي أيضا أن زوجها قد لا يعود إليها. لقد قرر الزوج أن يسمو فوق احتياجاته الشخصية ورغم حرارة اللقاء لم يكن لديه الوقت لممارسة حقه الطبيعي مع زوجته، وهي تعرف أن زوجها قرر التضحية بكل شيء من أجل كل الشعب وهذا الوطن.

شاهدنا مصطفى بن بوالعيد يأخذ المصحف معه عند الهروب من السجن من صاحبه العجوز الذي كان يقرأ فيه طوال الوقت، هل أردتم توصيل رسالة ما للناس؟

لم يكن الإسلام غائبا عن الحياة الجزائرية وكانت العقيدة الإسلامية في صلب النضال، وهي متأصلة في قلوب الجزائريين ولا تغيب عنه مطلقا. والمصحف هو تعبير رمزي عن أن الشعب الجزائري متمسك بعقيدته، وقد قامت الثورة تحت شعار «الله أكبر» وأخذ المصحف يعبر عن أنه مهما صنع الاستعمار فإنه لن ينجح في انتزاع اللغة والعقيدة من الجزائريين.

ـ ما هو رد فعل الغربيين على الفيلم؟

على الرغم من قصر المدة بين العرض الأول في الجزائر والعرض في دبي، إلا أن ردود فعل النقاد الغربيين توالت، ونحن نؤمن أن مثل هذه الأفلام لا تعجب المستعمرين لأنها تحيي مرحلة ارتكبوا فيها الكثير من الجرائم، كما أن الاستعمار الآن لا يقاتلك ببندقية لأن الطرق التي يستخدمها الآن هي طرق خبيثة. ففي جيلنا كان يمكن رفع بندقية ومواجهة المستعمرين، ويعملون الآن على تعطيل الذاكر الوطنية واستبدالها بأفكار جديدة تؤدي إلى حرف الأجيال الجديدة عن قضيتها الوطنية وهويتها، وهو ما يسمونه اليوم بصراع الحضارات.

IN ZOOM

استخدمنا في الفيلم لغة ثالثة (بيضاء) وكان الجميع يتحدثون بلغة عربية أقرب إلى الفصحى. لدينا في الجزائر لهجات متعددة ومشكلة الجزائر هي العثور على لغة يمكن أن يفهمها الجميع في الوطن العربي وسنحقق ذلك، أي سنجد اللغة السينمائية الخاصة بنا. فعلى سبيل المثال السينما المصرية والسورية لهما لغة خاصة بهما، ولعل المشكلة لدينا سببها طول فترة الاستعمار وعملية الهيمنة الثقافية التي كنا ابتلينا بها طوال 132 سنة.

ذاكرة

هناك مشاريع خاصة وأخرى ذات مفهوم وطني عام والمقصود بذلك المشاريع التي تخدم الصالح العام والأجيال المقبلة. ويضيف أحمد راشدي قائلا: على سبيل المثال لدي أولادي الذين تجاوزوا العشرين يوجهون اللوم إلى جيلنا لأننا أخفقنا في إيصال قصص فترة النضال إليهم فنسوا تلك المرحلة أو هم مغيبون عن فهمها، لذا أصبح من واجبنا أن نوصل لأولادنا وأحفادنا بصورة عاجلة تلك التضحيات، والهدف هو زرع ميثولوجيا في الذاكرة لأن الإخفاق في تحقيق ذلك سيؤدي إلى دخول أفكار مستوردة من الخارج.

حوار ـ محمد نبيل سبرطلي