يروي المخرج اللبناني الشاب سيمون الهبر في فيلمه الأول، «سمعان بالضيعة»، قصة عمه سمعان، هذا الفلاح الذي يعيش حياة هادئة في قريته الصغيرة عين الحلزون في جبل لبنان. يمتلئ الشريط الجميل بلحظات وجدانية مؤثرة، وهو أحد الأعمال التي دعمها المهرجان العام الماضي خلال «ملتقى دبي السينمائي»، وعرض في مسابقة الأفلام الوثائقية الدورة الحالية.
وفي لقاء خاص لـ «البيان» قال سيمون الهبر: حاولت الانطلاق من العام إلى الخاص، فللفرد قيمة ويمثل مجتمعا، وليس العكس كما هو حاصل في بلادنا، إذ الكل يمشي في خط واحد. ولو أردت أن أصنع فيلماً عن هذه الضيعة، في الفترة التي سبقت عودة سمعان إليها، لكان التركيز سيكون ليس على المكان فقط إنما على مجتمع برمته. لكن عودة سمعان إلى أحضانها ألهمتني.
لذا رغبت في الانطلاق منه إلى سواه من السكان. قصة هذه الضيعة هي أيضاً قصة مجتمع وقصة لبنان. من خلال هؤلاء الناس، أردت أن أظهر مدى تأثير السياسة في سلوكياتهم. هناك شخصيات تحاول في لحظة ما إظهار فرديتها ثم تسارع إلى قمعها للشروع في الخطاب العام.
أردت أيضا أن أرى كيف أن البعض يريدون التكلم عن الحرب ولا يريدون في الحين نفسه. مثل هذا الرجل العجوز الذي يمضي في مديح الزمن الماضي، ثم عندما يشعر انه قد يكون مادة للسخرية، يسكت.
ثمة الكثير من المسكوت عنه في الفيلم.. في هذا السياق، يقول الهبر أنه من مشكلات لبنان التابوهات الكثيرة، والمواضيع الحساسة، التي، وإن لم تكن ممنوعة قانوناً، فالناس يبتعدون عنها خوفاً من إثارة النعرات الطائفية. جراء هذا القمع المباشر وغير المباشر من السلطة والناس، صارت عندنا رقابة ذاتية، وهذا يقمع أيضاً الفرد وأحاسيسه، ويحول دون اعترافه بمشاعره خشية أن تشكل خطراً على المجتمع.
ويكشف الهبر أن عمه سمعان كان شديد الحماسة عندما اقترح عليه أن يصوره في فيلم. ويعود السبب إلى أن سمعان يحب الكاميرا وله طباع عفوية تساعد كثيراً خلال التصوير. استغرقت عملية التقاط المشاهد 22 يوماً امتدت على فترة سنتين على نحو متقطع.
أحياناً كان المخرج يخطط للتصوير لثلاثة أيام، وسرعان ما يحصل انفجار في مكان ما، فيعود إلى بيته بعد يومين خشية أن يعلق في الجبل، ولأنه أيضا كان ينبغي له إعادة الكاميرا المستعارة إلى أصحابها. في الفيلم أيضاً، ثمة نوستالجيا إلى نمط حياة انقرض، وغريب اهتمام الهبر بزمن لم يعشه.
«عشت الفترة الكبرى من حياتي في بيروت، ولكني كنت أمضي عطلة نهاية الأسبوع في الضيعة مع عائلتي وأقاربي. هذه الحياة التي القي عليها التحية عشتها من خلال عائلتي وذلك في مرحلة التهجير. في كل مرة كنا نلتقي بين الأقارب في المناسبات، كنت اسمع الجميع يقولون »سقى الله زمن وجودنا في الضيعة» وكانوا يتحسرون على تلك الفترة من حياتهم.
وكنت أشعر دائماً أنه في اللحظة التي كانت ستتسنى لهم فرصة العودة إلى الضيعة، كان المكان سيمتلئ بصخبهم كما في الماضي. لكن عندما وجدتهم لا يعودون، بعد 15 عاماً على توقف الحرب، فهذا شكّل صدمة بالنسبة إلي! ذلك أن ما عشناه من أحاسيس على إيقاع حكاياتهم عن الزمن الماضي، لم يتح لهم فرصة إعادة خلقه مرة أخرى. لا يزال مصدر غرابة لي ألاّ يتمكن أشخاص لهم حس عميق بالانتماء في العودة إلى أرضهم.
دبي ـ هوفيك حبشيان
