في فيلم «ذاكرة الصبّار» يتتبع المخرج الفلسطيني «حنا مصلح» رحلة عائشة أم ناجح التي طردت من قريتها بعد أن هدمها الإسرائيليون، وشيد على أنقاضها المحتلون «كندا بارك»، أنتجت الفيلم مؤسسة الحق في رام الله، التابعة لحقوق الإنسان في جنيف، لتساعد الأهالي في حملتهم الوطنية للعودة إلى قراهم.
عن رحلته مع هذا الفيلم وعالم السينما، يتحدث إلى «البيان» المخرج حنا مصلح في الحوار التالي:
لماذا هذا العنوان «ذاكرة الصبار»؟
«ذاكرة الصبار» رمز، لأن هذا النبات ينمو في القرى الفلسطينية المهدمة، وحتى عندما يقلعونه يعاود الخروج، لذلك فهو أشبه بالذاكرة التي تختلط بذاكرة شعبنا، وانتمائنا إلى هذه الأرض.
انتقلت بين 67 و48، كيف تم الربط بين هذين التاريخين في فيلمك؟
ـ بعد حرب 67، احتلت إسرائيل الضفة بدون أية مقاومة، لكنها لاقت مقاومة عنيفة عندما دخلت منطقة «اللطرون» التي لم تتمكن إسرائيل من احتلالها في عام 1948. كان القادة الإسرائيليون أمثال: موشي دايان رابين وعوزي ماركيز أمروا بهدم القرى الثلاث انتقاماً لـ 48، كنوع من التطهير العرقي، والقرى هي: عمواش ويالو وبيت نوضا.. وأهاليها ما زالوا موجودين. 6 آلاف في الضفة الغربية. وحوالي 40 ألف أو أكثر موجودين في الأردن وفي المخيمات الأخرى.. احتلوا هذه المنطقة وهدموا القرى، وأقاموا عليها المستوطنات والمزارع والطرق وسكة حديد، وما تبقى حولوه إلى منتزه اسمه «كندا بارك».
ما الصعوبات التي واجهتها في فيلمك تحت ظل الاحتلال؟
بعد أن ضُمت المنطقة إلى القدس، أصبح من الصعب الوصول إليها، لكني كنت أتدبر نفسي بتصريح الذهاب إلى المستشفى لكي أصور، وأحياناً كنت أبعث المصور لوحده، ليصور لي ما أريده. ومن أهم المشاكل التي واجهتها، كيفية الوصول إلى تلك المناطق والتصوير فيها، وأرشفة ما جرى فيها.
لماذا اخترت عائشة أم ناجح لهذا الفيلم؟
ـ اخترت من عشرات القصص قصة «عائشة أم ناجح» التي مرّت عبر كل المآسي التي مرّ فيها الشعب الفلسطيني، حيث تم طردها من قرية «يالو»، بعد تدميرها، كغيرها من القرى، وترك الأهالي الرجال والنساء المسنون والعجزة على أمل أن يعودوا إليها بعد مرور بضعة أيام، لكن هؤلاء اختفوا ولا أحد يعرف مصيرهم، وعرفنا من جندي إسرائيلي كان أحد المساهمين في إخراج أهالي تلك القرى من بيوتهم، بأن ما جرى كان مأساوياً.
كان بودي أن ألتقي بهذا الجندي الإسرائيلي لكنه رفض التحدث لنا كفلسطينيين. ثم وجدت أمها بعد مرور ستة أشهر ملقية في حقول القمح، وكان زوجها من بين المتسللين إلى قراهم لجلب بعض الطعام، فقتلوه، مثله مثل عشرات الأهالي. واضطرت الرجوع إلى المخيم وكان ابنها مريضاً، فتوفي في المستشفى.
ـ إذاً هي نوع من الرمز؟
نعم. إنها رحلة رمزية لعائشة أم ناجح، لكني بالتوازي أخذت مجموعة من الإسرائيليين يزورون «كندا بارك» التي ساهمت كندا في تأسيسها على القرى الفلسطينية المهدمة كما ذكرت، وبدأوا يكتشفون حقيقة ما جرى، ويناقشون بعضهم بعضاً في هذا الموضوع. أختمها بأغنية لفيروز «بعدنا من يبسط الحقول ومن يملأ السلال ومن يقطف الدوال».. لم أحب أن أضع شعارات مثل «سنرجع يوماً»، وكأن فيروز أعدت هذه الأغنية لهذا الفيلم.
هل استعنت بالأرشيف؟
وأنا ابحث في أرشيفات الجيش الإسرائيلي عن طريق أحد الناس الذي جلب لنا ثمانية أشرطة لأن الجيش الإسرائيلي يعير هذه الأشرطة مقابل دفع الرسوم، حيث حذفوا منها الصوت وكأن التطهير العرقي أصاب حتى الأشرطة، كما حذفوا منها مناظر هدم القرى لكني وجدت في بعض «الفريمات» صوراً مهزوزة لها، ويظهر رابين ينظر إلى دير اللطرون.
كيف يدعمكم مهرجان دبي السينمائي الدولي؟
أنا مرتاح من مهرجان دبي السينمائي لأنه مهتم بسينما العالم الثالث، وأتمنى أن يكون الاهتمام بهذه السينما كبديل لسينما هوليود.
سبوت لايت
ولد حنا مصلح في بيت جالا في فلسطين عام 1954 ودرس في جامعة لينيغراد ومانشستر قبل أن يعود إلى وطنه في عام 1980 ليعمل مدرساً للسينما في جامعة بيت لحم. أول أعماله كان بعنوان «عرس سحر» 1991، أنجز بعده العديد من الأفلام القصيرة والوثائقية.
حوار ـ شاكر نوري
