يطرح فيلم »استراليا«، الذي عرض ضمن أفلام مهرجان دبي الدولي للسينما، مجموعة قضايا بالغة الأهمية بالنسبة للحياة الاجتماعية والسياسية والأمنية في قارة أستراليا تمس واقع الحال خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وسلسلة التغييرات التي طالت الحياة في أعقاب نهاية الحرب.

وأول تلك القضايا الفصل العنصري الذي مارسه البيض على المستويين الرسمي والشعبي يمارسونها ضد السكان الأصليين الأبورجين الذين يطلق عليهم مترجم الفيلم اسم »الأروميين« أي السكان الأصليين، وهم لا يتمتعون بأي نوع من الحقوق أو الحصانة الاجتماعية بل يستخدم جلهم كخدم بينما تستخدم نسائهم كمحظيات رخيصات، ليس لهم حقوق ولا لأبنائهم الخلاسيين الذين يأتون ثمنا لتلك العلاقات العابرة.

لقد نجح مخرج »استراليا« باز لوهرمان في إعطائنا صورة جيدة عن الطبيعة الخلابة للقارة المترامية الأطراف فضلا عن طبيعة البشر الذين يعيشون فيه وجشع تجار الماشية في ذاك الوقت خاصة أنهم كانوا يجنون أرباحا كبيرا من بيعهم الأبقار للجيش الذي كان يحارب اليابانيين. لقد نجح باز سابقا في إخراج فيلم »روميو وجولييت« .

وهو أيضا نقلنا من خلال فيلم »مولين روج« إلى عالم النوادي الليلية الخيالي في باريس في القرن التاسع عشر، وهو أراد من خلال أستراليا أن يرسم لنا في غضون 170 دقيقة أسلوبا استثنائيا »أكسترا فاجانزا« ليترك عند المشاهد انطباعا لا يقل عن تلك الرائعة السينمائية »ذهب مع الريح« التي لا تزال عالقة في الأذهان. ويركز المخرج على وجه التحديد على ضرورة تضميد الجروح التي خلفتها سياسة الفصل العنصري التي مارسها البيض ضد السكان الأصليين على مدى عدة مئات من السنين.

ولعل الفيلم جاء بضخامة القارة الأسترالية وما تحتويه من تنوع في الحياة.وفي هذه الملحمة السينمائية يجري عرض الأحداث والقصة على مراحل تستغرق الفترة ما بين 1939 ـ 1942، وتجري الأحداث في الساعة ونصف الساعة الأولى في »فاراويه داونز« وهي مزرعة تقع المنطقة الشمالية من أستراليا، ولغرض ما مقصود بالطبع فإن الأحداث تقع في الغرب ما بين مدينة داروين والمزرعة.

وتبدأ الصدمات تتوالى منذ وصول ليدي سارة أشلي »نيكول كيدمان« إلى مزرعة زوجها لتكتشف السكان المحليين يبكون بكل إخلاص سيدهم صاحب المزرعة الذي قتل برمح، ونعلم من الصبي الخلاسي ابن الرجل الشرير أن الرمح الذي أصاب صاحب المزرعة، زوج أشلي اللورد، كانت حربته مصنوعة من زجاج، وهو ما يؤكد أن جد الصبي الأرومي ليس المجرم الحقيقي بل فليتشر ( ديفيد وينهام) الذي يعمل في المزرعة، وطامع في الاستيلاء عليها.

المحرك الرئيس في الفيلم شخصية سائق الماشية ( دروفر)، الممثل هيو جاكمان، الذي يعمل على حسابه الخاص في سياقة الماشية ويحسب نفسه حرا وكشف عن كراهيته للبيض خاصة وأنه هو خلاسي أيضا من أم سوداء ووالد أبيض. وهو يقف حجرة عثرة في طريق فليتشر ويقود قطيع الماشية( 1500 رأس) إلى دارون وينجح في بيعها للجيش.

خلال الرحلة من مزرعة فاراويه داونز إلى داروين يمر دروفر وآشلي بظروف عصيبة جدا تجعلهما أكثر اقترابا من بعض وتبدأ ملامح علاقة عاطفية بينهما بالنمو والنضوج. كما تتوثق العلاقة وتصبح مصيرية بعد هجوم الطيران الياباني الكاسح على السفن الراسية في داروين، وهنا يبلغ الفيلم ذروته إذ يعتقد دروفر أن الليدي آشلي قتلت ويذهب للبحث عن الصبي الخلاسي في جزيرة تعلم الخلاسيين أصول الدين المسيحي وكانت تعرضت لقصف شديد.

وفي إطار هذه الملحمة يقرر المخرج القضاء على بذور الشر فيقتل فليتشر وهو يحاول قتل إبنه الخلاسي ويوجه الجد الآرومي رمحه من فوق خزان مرتفع للمياه فيقتل فليتشر. وهناك فترات تتخلل الأحداث ينتهزها المخرج ليجعل الصبي نولاه (براندون ولترز) يروي بصورة إيضاحات العلاقة بين فليتشر (والده) ووالدته التي تموت مختنقة وهي مختبئة في خزان المياه في المزرعة ويتحدث بفخر عن جده وعن العادات والتقاليد. لكنه في الوقت ذاته يشعر بأسى لأنه خلاسي لا البيض يريدونه ولا السكان الأصليين أيضا، وهذا يعني أنه لا من أولئك ولا من هؤلاء.

دبي ـ محمد نبيل سبرطلي