النجاح في الحياة أمر مهم، لكن الأهم بلوغ مرتبة التميز الصعبة، لهذا نجد الكثير جدا من الناجحين والقليل جدا من المتميزين. منطق فكري تعمد القائمون على مهرجان دبي السينمائي الدولي جعله هدفا استراتيجيا لهم من أجل أن يصبح مهرجانهم حدثا سينمائيا متميزا، له بصماته الخاصة وأيدلوجياته في وضع لبنة أساسية ونواة لصناعة سينما في دولة الإمارات، التي كانت حتى سنوات قريبة بعيدة عنها تماما.
والمتابع لفعاليات دورات المهرجان السابقة، يستطيع أن يرصد خطوطا ومعالم تشكل أركانا جوهرية في حلقه متكاملة تحتاج إلى بعض الوقت لتطرح إنتاجها السينمائي، كي يكون دافعا للمبدعين داخل وخارج منطقة الخليج لصناعة أفلام ترقى لإحداث حراك في السينما العربية، تؤكد به تواجدها بقوة عالميا.
وعلى مدار أعوام خمسة هى عمر المهرجان، ومن خلال تفاعله مع ورش العمل التي كانت ترافقه، تولدت المبادرات الواحدة تلو الأخرى، فالعام الماضي جاءت مبادرة «ملتقى دبي السينمائي» التي ساعدت في إيجاد فرص يستطيع من خلالها صانعو الأفلام تحقيق أعمالهم، وبالفعل فاز 15 عملا تم تنفيذ ثمانية منها في أقل من عام، مما دفع إلى زيادة الرقم في الدورة الحالية ليصبح المنافسة على 18 عملا، يرعاها المهرجان من نبتة وجودها فكرة، ثم سيناريو مكتوب، وبعدها أفلاما قيد الإنجاز، ثم يأخذ بيدها لتتحقق.
ويتيح لها المشاركة في برامجه المختلفة، ولترويجها وتوزيعها جاءت المبادرة الجديدة «سوق دبي السينمائي» أول منصة رقمية لتسويق الأفلام، وهو تجمع يحظى هذا العام بتواجد أكثر من 40 شركة تسويق كبيرة، و50 منتجا وموزعا عالميا، ولا يكتفي المهرجان بهذا بل يدفع بأهم أفلامه التي يساعدها في أن تتحقق، أو هذه التي تعرض في فعالياته، إلى المشاركة في أكثر من مهرجان دولي، وهكذا تحول «مهرجان دبي» إلى مؤسسة تعمل لصالح السينما طوال العام.
وعلى مستوى السينما المحلية، ومنذ الدورة الأولى توالدت أيضا المبادرات لتعريف العالم بمحاولات المخرجين الإماراتيين، فجاءت «أصوات إماراتية»، ثم توسعت هذا العام لتكون تحت عنوان «أصوات خليجية» للاستفادة مما يقدم في «مهرجان الخليج السينمائي» الذي خرج من عباءة نفس فريق مهرجان دبي.
وكان بمثابة قذف حجر في بركة راكدة، حيث يتوقع المراقبون للسينما الخليجية التميز باعتبارها سينما مجهولة، وكان من نتاجها الفيلم الإماراتي «بنت مريم» الذي يشارك في مهرجان دبي هذا العام بعد حصده خمس جوائز على مدى سبعة أشهر من مهرجانات عربية ودولية.
لكل مهرجان صيغه وفهم وتوجه، ولا يخفي على أحد ثمار ما أحدثه مهرجان دبي خليجيا وعربيا ودوليا، ومدى ما يصبو إليه، وهذا ما أكده رئيس المهرجان في حفل الافتتاح أمس الأول عندما قال: لدينا رؤية وهدف لجعل دبي عاصمة عالمية للفكر، يدخل الفن من بوابتها لتكون منارة تتلألأ دوما بالإبداع العربي المتميز.