تحول غضبي وانزعاجي من رنين هاتفي المتحرك قبل منتصف الليل بقليل والذي انتزعني من نوم عميق إلى دفقات من العرق البارد جراء الخجل الذي أصابني بعدما عرفت صاحب الاتصال بصوته الهادئ.
وكالمعتاد قال: أستاذ خالد هناك حادث مروري عند الجسر السادس على طريق ابو ظبي ـ دبي انتظر مني بعد قليل اتصالا لأوافيك بالتفاصيل الكاملة حتى لا يفوتك الخبر. إنه «الرقيب عيسى» من الإدارة العامة للمرور والشخص المخول بتعميم الأخبار الخاصة بالإدارة على الصحافيين.
عمله لا ينتهي عند الساعة الثانية والنصف بل هو على رأس عمله في كل وقت. وما إن يقع حادث مروري في أي منطقة من دبي إلا ويكون ملماً به وبتفاصيله، ويقوم على الفور بإرسال رسالة نصية من هاتفه المتحرك إلى الصحافيين أو يقوم بالاتصال بهم لإبلاغهم بوقوع حادث مروري وعليهم انتظار اتصاله التالي لموافاتهم بالتفاصيل.
أحيانا نقوم كصحافيين بالاتصال به للاستفسار عن حادث ما، ويرن جرس هاتفه المتحرك ولا يرد، فكنا نشعر بالغضب خاصة عند وقوع حادث كبير، ولكن سرعان ما أدركنا حقيقة الأمر وهو أن الرقيب عيسى عندما لا يرد على هاتفه يكون مشغولاً بجمع المعلومات للصحافيين عن الحادث، لأنه سرعان ما يقوم هو بالاتصال بجميع أرقام الصحافيين «الغاضبين» ووضعهم في صورة ما جرى.
«الرقيب عيسى» يراه الصحافيون صديقاً عزيزاً لهم، وهي مسألة لا جدال فيها، ولكن معاناتهم جميعاً أن «الرقيب عيسى» صديق مهنته أكثر من أي شيء آخر، فهو وفي ومخلص لها إلى أبعد الحدود.
ومناسبة الحديث عنه مرتبطة بالهاجس الدائم في البحث عن النماذج المضيئة في كل مكان لتقديمها كأمثلة يجب أن تُحتذى ليسير كل شيء في مساره الصحيح. اكتب هذه الكلمات وأنا متأكد بأن عتباً سيطالني من «الرقيب عيسى» الذي رفض فكرة الكتابة عنه مؤكداً، أن ما يقوم به من صميم واجبه.. فليعذرني، لأني لم أستطع تمالك نفسي عن الحديث عن هذا النموذج المضيء.