كثيرة هي الهموم والأزمات المالية التي تلم بالأسر، ولكن القليل منا من يكون مستعداً لحدوثها أو يؤمن بثقافة الادخار، فغالبا ما يميل أفراد مجتمع الإمارات إلى رفع شعارات مثل «أصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» أو «عش يومك ورزق الغد على الله». وثقافة الاستهلاك طاغية على مجتمعنا، بل أصبحت عادة متأصلة من الصعب تغيرها، وقد تكون عدم الحاجة الملحة والقروض البنكية أولى أسباب تهميش ثقافة الادخار.
ولا شك أنه من المفترض أن يرسم للحياة نظام مالي واجتماعي واعٍ من قبل الأسرة والمجتمع، في حين أن ما نراه هو أنها أصبحت تسير على طريق مغاير لما تقوم عليه دول أخرى متقدمة، بل أصبحت مجتمعاتنا تعاني من أزمات وقضايا بنوك وضعت في سجل أغلب العائلات. وربما الأسباب تتضح من خلال هذا الاستطلاع.. ترجع «أم مطر» انعدام ثقافة الادخار في مجتمعنا وكونها آخر اهتمامات أغلب الأسر إلى الوضع الاجتماعي الذي نعيشه، وكون الفقير والغني في الإمارات يعيشون في نفس المستوى المعيشي من نواحي كثيرة، ظاهرها اللبس الفاخر والسيارات والبيوت الكبيرة ورحلات السفر وغيرها، وباطنها إسراف البيوت في إعداد الولائم الكبيرة وطبخ أصناف متعددة من الأطعمة التي يذهب أغلبها إلى النفايات، فضلا عن الاستهلاك الكبير للمياه والكهرباء وغيرها من الأمور الذي تظهر في فواتير نهاية الشهر.
وتضيف: الغريب في الأمر أننا مجتمع مسلم يدرك وبصورة كبيرة أن واقع الإسراف الذي نعيشه لا يتماشى مع قواعد الدين الذي ننتمي إليه، فتجد أننا نفصل الدين عن أمور الحياة الاجتماعية، فعندما تقف على الكرم نكرم لدرجة البذخ، وعندما تأتي على البيت نصرف إلى حد إشباع الرغبات، فبيوتنا ولله الحمد كبيرة وأثاثها فاخر وأدواتها الكهربائية جديدة ومتطورة ولا نقبل أن تكون بأقل من ذلك، وقد لا يعبر البيت عن المستوى المادي الحقيقي للأسرة.
وتجد «أم مطر» أن مصاريف البيوت في حد ذاتها كبيرة، فمتطلبات البيوت اليومية لا تنتهي من تصليح أو ترميم أو تغيير أو تعديل، وكل ذلك أسباب كافية لا تعطي للادخار المطلوب منا فرصته الكافية، فدائما تجد نفسك أمام وضع يستدعي الدفع.
البنك هو الحل
التجارب الشخصية للشباب كثيرة وعديدة، ومنهم من استطاع تحقيق حلم الادخار، ومنهم من طالته يد الدين والاقتراض، وما من مكان للادخار في حياته. فالشاب خليفة الكعبي ينظر إلى قضية الادخار بأنها قضية مهملة وليست في حسبان أغلب الشباب، ويقول: يعود السبب في ذلك ربما لأننا ولله الحمد لم نشعر بحاجة ماسة لها بسبب الوضع المعيشي الميسور للفرد في الإمارات، فمن يجد عملا مستقرا بعد تخرجه من المدرسة يعتمد على المردود المادي للوظيفة وتنتهي القضية هنا.
ولا نحمل هموم الأزمات المالية المستقبلية لأن باب القروض البنكية مفتوح أمامنا في أي وقت، بل إن أغلب أسلوب الادخار السائد عند الشباب هو عملية الاقتراض نفسها، فمن لم يجد في نفسه المقدرة على الادخار الذي يستغرق وقتاً طويلاً لكي يصل الشخص إلى المبلغ المطلوب، فإنه يلجأ إلى القرض البنكي الذي يسرع له عملية امتلاك عقار أو مشروع يدر علية أرباحاً تغطي مصروف القرض أولا ثم ستشكل له عائدا ماديا مستقبليا، ولكن المشكلة إذا لم يكن قد خطط للأمر بصورة موزونة وصحيحة.
ويرى راشد اليماحي أن توفير الشباب الإماراتي ينحصر في أغلبه في أمور معينة إما للزواج أو ترفيهية مثل تبديل السيارة بموديل أحدث حتى قبل أن تهلك الأولى، أو القيام برحلات سياحية خارجية لأكثر من مرة خلال العام الواحد، في حين أن النساء في مجتمعنا لا يجدن التزامات تفرض عليهم الادخار، فالمرأة العاملة مثلا إما أن تساعد في مصروف أسرتها أو تكتفي بتصريف مدخولها الشهري على مستلزمات اللبس والماكياج والعطور وغيرها وبصورة مترفة في بعض الأحيان.
ويقول اليماحي: السبب في رأيي هو الطفرة المادية التي نعيشها مع غياب التوجيه الأسري والمجتمعي في هذه القضية التي لا يؤمن الأغلبية حتى الآن بضرورتها ولا يمكننا التعميم، فهناك صحوة تجارية بدأت تظهر في نسبة كبيرة من أفراد المجتمع، فالكثير من الإماراتيين دخلوا المجال العقاري الذي يعتبر أكبر الفرص التجارية في وضع دولتنا حاليا.
وقضية الادخار بعيدة كل البعد عن ذوي الدخل المحدود، فيصرح البعض أن الغلاء المعيشي الذي نعيشه هذه الأيام لم يترك للتوفير منفذا، بل تجد أن الراتب الشهري ينتهي حتى قبل نهاية الشهر، ولا أقصد بذلك المصاريف غير العادية بل هي ضرورات الحياة التي لا يمكننا أن نقتصد فيها بأي شكل من الأشكال، ولكن أكبر فرصنا للتوفير تكون في الانضمام لإحدى الجمعيات المالية المشتركة.
الحل في التنشئة
يؤكد الدكتور أحمد حسين الشافعي أستاذ علم النفس بجامعة عجمان أن سلوك أو قيمة تعليم الادخار عند الأفراد تبدأ من الأسرة التي تنشئ أبناءها على قيم وسلوكيات جيدة مثل الأمانة، الصدق، عدم الاعتداء على الآخرين، مساعدة المحتاج وغيرها، ولكن هناك بعض القيم التي يمكن أن يعتبرها بعض الناس أقل أهمية من القيم السابقة، رغم أنها لا تقل شأناً عن سابقاتها.
ومن هذه القيم «الادِّخار». فالادخار كقيمة تتجاوز أهميته الجانب المادي النفعي من توفير بعض المال لوقت الحاجة، فهو أسلوب حياة؛ شعاره الاقتصاد في النفقة على قدر الحاجة، وهو بهذا المعنى يؤثر في حياة الشخص وفي حياة الأسرة، بل وفي اقتصاد الوطن. ومن هذا المنطلق، لابد أن تحرص مؤسساتنا الاجتماعية المختلفة على تعليم وغرس «سلوك الادِّخار» في نفوس أبنائنا.
ويمكننا أن نبدأ مع الصغار لأنهم أساس المستقبل في أن يتم تعليمهم سلوك الادخار من مداخل رئيسية ثلاثة هي المدخل الشخصي والمدخل الاجتماعي والمدخل الديني، ويتمثل المدخل الشخصي في إبراز ما يُحققه الادخار للطفل نفسه؛ إذا أراد شراء بعض الأغراض في أوقات لا يكون ثمنها مُتاحاً له، فغالبا ما تقوم الأسرة بتوفير كل رغبات الطفل دون أشراكة في العملية.
ويتمثل المدخل الاجتماعي في أن الطفل؟ بادخاره بعض المال؟ قد يساعد مَنْ هم في حاجة للمال من زملائه في المدرسة أو الفقراء أو حتى والديه وإخوته، أما المدخل الديني، فهناك كثيراً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على سلوك الادخار يمكن الاسترشاد بها في توجيه الطفل إلى سلوك الادخار. من تلك الآيات على سبيل المثال: (والذين إذا أنفقوا لم يُسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً)، (إن المُبذِّرين كانوا إخوان الشياطين..)
كما أن وسائل الإعلام والمسجد والمدرسة مدعوة إلى تنبيه الكبار إلى خطورة حالة الإسراف التي نعيشها ودعوتهم إلى حسن التدبر. فالادخار ضروري للفرد والمجتمع والاقتصاد بشكل عام.
ابتسام الشاعر

