عبد اللطيف عبد الحميد سينمائي، يجيد التقاط تداعيات ذاكرته المشبعة بتفاصيل البيئة التي نشأ فيها، لا يستطيع رؤية العالم من حوله إلا من خلال صورة سينمائية شديدة الصدق والبساطة من حيث الطرح والتجسيد ولكنها دقيقة في التنفيذ وعميقة في الصدق والترميز، تميز بقدرته العالية على الدمج بين الكوميدي والتراجيدي في وقت واحد يعرف جيدا كيف يذهب بالمتلقي إلى حافة الدمعة ثم يستخرج منه الابتسامة، إنه إيقونة السينما السورية وصوتها الفريد.
عن فيلمه الجديد «أيام الضجر» الذي عرض أمس في مول الإمارات، علي هامش فعاليات مهرجان دبي السينمائي، كان هذا اللقاء الذي أجرته «البيان» مع عبد الحميد عبد اللطيف في دمشق، قبل قدومه مباشرة إلي دبي، وكانت تفاصيل الحوار كما يلي: كلمة الضجر في قاموسك السينمائي، ما الدلالات التي حملتها لتصل إلى أن تكون عنوان فيلمك الروائي الثامن؟ ـ لم يأت الضجر في فيلمي باعتباره مشتقا من الملل ومرادفاته، بل بمعنى النرفزة والضيق مما حصل أو يحصل بدون تغير وكأنه لم يكن يوما، فمنذ وعيت وأنا أرى الأمور ذاتها تتكرر، خمسين سنة من الضجر كانت كافية لأن تجعل مني مخرجاً وكاتبا بمعنى الضجر الايجابي، أيام الضجر يروي حكاية أربعة أطفال يعيشون سأمهم وضجرهم خلال وجودهم مع والدهم على جبهة الجولان السوري سنة 1958 .
وتقودهم الأزمات السياسية والعسكرية التي اشتعلت بعد نزول الأسطول الأميركي السادس على شواطئ لبنان إلى ضجر مضاعف بعد اضطرارهم للعودة مع أمهم إلى قريتها الساحلية اثر التصعيد العسكري على الجبهة، الفيلم دراما أفقية تشبه الحياة ويبني فيها الفيلم نفسه مع كل جزئية فيه، إنه نوع من الدراما المختلفة عن الكلاسيكية المبنية على عقدة.
تدور أحداث الفيلم عام 1958 في فترة الوحدة بين سوريا ومصر لم تم انتقاء هذا الخيار الزمني ؟
ـ هذا الانتقاء ليس جزافا فبعد كل هذه الفترة الزمنية لا تزال مانشيتات الأخبار هي ذاتها، خمسون سنة ونحن نراوح مكاننا وندفع الثمن، عناوين نشرات الأخبار تكاد تكون العناوين ذاتها التي انتشرت في المنطقة في السنوات الأخيرة ابتداء بالتجاذب السياسي في لبنان والتدخلات الخارجية فيه وصولا إلى اتهام سوريا بلعب دور في النزاع السياسي أيام حكم الرئيس اللبناني كميل شمعون، لاحظنا بالفيلم بأن نشرة الأخبار لم تتغير العناوين لا تزال نفسها، نفس البلاطة التي على صدرنا لا تزال موجودة وبالتالي ونحن نعيش نفس العناوين والأحداث، هذا يقودنا إلى العديد من الأسئلة التي تطرح نفسها.
المكان هو البطل و البيئة الريفية هي المحراب الذي تدور في فلكه معظم أعمالك،عما تبحث ضمن هذا الإطار؟
ـ لا أملك قراراً مسبقا بقدر ما أقدم الفكرة التي تقتحمني بغض النظر عن زمانها ومكانها، أنا اقتات من خيالي ومن أحلامي الكثير من التفاصيل والأحداث والبطل في رواياتي السينمائية هو الإنسان نفسه، أنا أنسج حكاياتي من اللمسات الإنسانية ( ليالي أبن آوى)، (قمران وزيتونة) صور لا تزال عالقة في ذاكرتي ولكنني أعيش منذ أكثر من خمس وعشرين سنة في المدينة، وأتأثر بما يحيط حولي وأتعايش وهذا ما حصل بدءا من صعود المطر إلى نسيم الروح.
ـ كيف تنطلق شرارة الكتابة الأولى التي تنسج من خلالها حكاياتك ؟
ـ تتزاحم الأفكار في رأسي وتتطاير وكأنها أحلام صغيرة، حتى ألتمس فكرة ما تدهشني، تبدأ الكتابة عندي من بذرة صغيرة قريبة من الومضة، تسيطر على حواسي وتبدأ في مطاردتي خلال صحوتي ونومي وأكلي وشربي، تستمر هذه البذرة بالإنغراس والتشعب داخل رأسي ليصبح لها أوراق وأغصان وعندها تبدأ هذه الفكرة بطرح الأسئلة.
وما أن تدق هذه الأسئلة حواسي حتى تبدأ حالة أشبه بحالتي الحمل والمخاض وهذه اللحظة هي التي تدفعني للجلوس إلى الطاولة من اجل الكتابة، أنها لحظة انطلاق الشرارة، ثمة أشياء لها علاقة وطيدة بالذاكرة وكأنها انعكاس للمخيلة، ففي ( ليالي ابن آوى ) آتت الفكرة من تفصيل صغير في مخزون الذاكرة متعلق بوالدتي عندما أطلقت صفيرها يوما لتخيف بنات آوى، هذا التفصيل أستطاع أن يؤسس للحظة ولادة فيلمي الطويل الأول، من خيالي ومن انعكاس أحلامي أنسج الحكايات وأرويها.
ـ ما مدى التماهي بين الكتابة والإخراج في مشروعك الفني، خاصة و أنت المؤلف لكل سيناريوهات أفلامك ؟
تتشابك الخطوط داخل مشروعي الفني منذ اللحظة الأولى التي امسك بها دفتري وأضع عنوان النص بناء على الصور التي تداهم مخيلتي لأعيد إنتاجها بكل طاقاتي المتخيلة، وهذه عملية طويلة ومرهقة وبنفس الوقت فيها الكثير من المتعة، من مخزون الذاكرة استطعت أن أؤسس للصياغة البصرية واللغة السينمائية التي جاءت عليها كل أفلامي.
كيف تنظر للجمهور وهل تجلس بين الحضور لتشاهد أفلامك ؟
ـ العرض الأول للفيلم هو أكثر ما يربكني، انظر خلاله للجمهور فأجده شيء محير يربكني، أشعر بأن هؤلاء الحضور هم ضيوف في بيتي ويبقى إحساسي بالتوتر يتصاعد حتى ألمس صدى الفيلم لدى الحضور، وأكثر ما يغريني حين أذهب بالمتلقي إلى حافة الدمعة ثم أستخرج منه الابتسامة، علاقتي بالمشاهد طازجة ولم يعف عليها الزمن، وهذه اكبر جائزة حصلت عليها في رصيدي الفني، فحين يعاد عرض فيلم (ليالي ابن آوى) بعد عشرين سنة وأرى الصالة مليئة وألمس تفاعل الحضور مع العرض اشعر أنني وصلت إلى قلوب الناس، هذا شيء ثمين وغال على روحي.
ما الذي تجهز له حاليا؟
ـ ( هنا دمشق ) عنوان فيلمي المقبل وسيكون بالتعاون مع المخرج هيثم حقي، وسأبدأ التصوير مع مطلع ربيع 2008.
دمشق ـ نهى سلوم

