تجارب لم تخل من انطباعات المدينة الأم.. لدى المارة والزائرين.. وبالطبع السكان الأصليين، ولم تغفل تلك الالتقاطات تفاصيلها المحلية.. التي تضج بالتآلف مع الإنسان وتنضح بحب المكان.. تشبهها كثيراً، متحضرة حتى البذخ.. وموغلة في القدم والبساطة.. التي كانت ملمحاً راسخاً في كل ما علّق على الجدران البيضاء.. فهناك حتماً ما يدل على المحلية بمعالمها المختلفة، التي أرخت بظلالها على الأعمال المشاركة رغم ما تتمتع به دبي من طابع حضاري وعمراني حديث.
معرض «توثيق مشاريع التصوير الفوتوغرافي» الذي جاء ثمرة جهود متواصلة للمشاركين في ورش عمل للتصوير الفوتوغرافي في المعرض الدائم «تشكيل».. مهد المواهب المبتدئة، وموضع تبادل خبرات المحترفين، كما وصفه المشاركون في المعرض، الذين أكدوا أن لولاه ما كان لتلك التجارب أن تبصر النور بهذا الاحتراف.
تلك وقفات مع المشاركين وانطباعاتهم عن الأعمال التي قدموها، وفاء حشر آل مكتوم، تحمل بكالوريوس في الفنون الجميلة، ترى أن تجربة الانضمام إلى ورش العمل أثرت الجانب الأكاديمي لديها، ومنحتها فرصة تبادل الخبرات مع فنانين آخرين، لهم بصمات مختلفة، فجاءت الأعمال تتويجاً لتلك الرؤى والخبرات، تشارك وفاء بعمل فني واحد، ضم مجموعة كبيرة من اللقطات المختلفة لمعلم اعتبرته أيقونة من طفولتها، فرصدت أوضاع مختلفة للخباز الذي اعتادت على رؤيته يومياً في «الفريج».
وقالت: «أحببت زيارة المكان مرة أخرى، والعودة برؤية مغايرة، فالمحلية واضحة في المكان، وثقافتنا تتمتع بخصوصية عالية لعل الفريج أبرز ملامحها، ويتضح ذلك من خلال التفاصيل اليومية التي كان الخباز بالنسبة لي أحد أركانها». العمل يرصد الخباز في أوضاع مختلفة، ويظهر طريقة عمل الخبز، ومعالم الفرن، ولقطات أخرى تظهر الزبائن، العمل مشهد حي متحرك يلتقط أدق التفاصيل ويفوح برائحة الخبز.
عمل آخر نجح في توثيق معلم اجتماعي بارز من معالم دبي، عمران العويس، مهندس معماري وأحد المشاركين في المعرض، يهوى التصوير، ويراه رافداً أساسياً في العمل الهندسي، اختار دبي القديمة وبالتحديد سوق الذهب في ديرة، والذي يُعد من أوائل المناطق التي استوطنها السكان في الإمارة، يعطي المكان بعداً اجتماعياً عبر الصور التي التقطها، ويقول: «الصور تظهر الأزقة والسكيك الضيقة التي تميّز تلك المنطقة من دبي.
وكأنها تقول أن البشر كانوا أكثر تآلفاً قديماً، الشبابيك أكثر قرباً، والأبواب أكثر تجاوراً.. وكذلك كانت النفوس، والقلوب، والتواصل كان أمراً سهلاً وواجباً بالنسبة للسكان، بينما الآن.. تبتعد المسافات الفاصلة بين السكان، وتستطيل الجدران مؤدية إلى ضعف العلاقات بين البشر».. العمل عزز الطابع المحلي والهوية، التي اتضحت عبر الأبنية والأزقة المضيئة في ساعات النهار، التي كانت انعكاساً للبشر ونسيجهم الاجتماعي الذي كان أبرز ما يميز سكان المنطقة.
ميثاء بن دميثان طالبة في السنة الثانية بجامعة زايد، صاحبة المشاركة الأكثر تميزاً على حد قول الزوار والمشاركين من زملائها، ميثاء اختارت أن تصوّر نفسها مرتدية الزي المحلي والشيلة بألوان زاهية على خلفية سوداء، وظفت في العمل 50 صورة مختلفة، كانت تلقائية وعشوائية.
جاءت معبرةً عن رغبتها في تقديم نموذج مختلف ومبدع، تعتبر ميثاء أن تجربة الانضمام إلى ورش التصوير الفوتوغرافي والمساهمة في المعرض ساعدتها كثيراً في تعزيز الموهبة، تُعطي الفن الكثير من وقتها وترى أن الحاجة إلى الفن بالنسبة لها توازي الحاجة إلى التنفس وتناول الطعام.
هند مزينه، من الموثقين لمشاريع التصوير الفوتوغرافي، اختارت إحدى أقدم المناطق في دبي، أصغت للأصوات القادمة، وبحثت عن الوجوه الغائبة، والتقطت خطفاً الأبواب و«الدرايش» المتهالكة في أحد المناطق التي ستزال وتستبدل بأحد المشاريع الجديدة والتي حتماً تُستبدل بمكان آخر وإنسان آخر ومشاعر أخرى، جدران ونوافذ وأزقة ضيقة في وضح النهار أبرز لقطات هند التي تقول «في نهار أحد الأيام وجدتني أتوجه إلى منطقة قديمة.
لم تكن تربطني بالمنطقة أية ذكريات، ولكن هناك شيئاً ما حركني باتجاه المنطقة للتجول والتعرف على معالمها عن قرب، والتأمل في بساطة الأبنية، وكنت أسمع خلف الأبواب المغلقة أصوات الأطفال يلعبون والضجيج الصادر من جهاز التلفزيون»، مرة أخرى رصد للأماكن القديمة، والتي توشك على الاختفاء هو ما يحرك عدسات التصوير ويلهمها الإبداع.
كانت هناك أيضاً تجارب غير محلية، ولكنها لم تستطع الإفلات من قيود المكان الذي بدا واضحاً في الوجوه التي التقطتها بتعبيراتها وانطباعاتها المختلفة، نيلاماني باردواج، هندي، وجد في التصوير متنفساً من الوظيفة التي تشغل جل وقته، أكد على تشجيع زملائه له، وحرص على التقاط تفاصيل الوجوه المختلفة التي تسكن دبي، بانطباعاتها وتعبيراتها التلقائية، والتي أثرت الوجه الحضاري لدبي، التي تضم العديد من الجنسيات والثقافات.
أمل الفلاسي

