الحديث الشريف يذكر أن آدم حين دخل الجنة استوحش وحدته في جنة الله والتي كل منا يعمل لينال رضاء الله فتكون هذه سكنه وجزاء عمله. ورغم ذلك إلا أن آدم لم يهنأ بالعيش وحيداً شعر أنه محتاج لحواء، وهذا الكلام ليس من الخيال لكنه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو نائم إذ خلق الله من ضلعه حواء. فاستيقظ فرآها بجواره قال: من أنت؟ قالت: امرأة قال: ما اسمك؟ قالت: حواء قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليًّ.
وروي أن الملائكة سألت آدم عليه السلام قالت: أتحبها يا آدم؟ قال: نعم
قالوا لحواء: أتحبينه يا حواء قالت: لا
وكان في قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه.
فقالوا: فلو صدقت امرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء.
وتحكي الآثار وقصص السابقين.. أن آدم نزل بالهند وحواء بجدة.
ويقال إن آدم ظل يبحث عن حواء حتى التقيا عند جبل عرفات ولو انتبهتم أن عرفات أقرب إلى جدة وبعيد جداً عن الهند، فسبحان الله آدم هو الذي تعب جداً وظل يبحث عن حواء كثيراً حتى وصل إليها، وكانت هذه أولى قصص الحب في التاريخ.
هناك قصة أخرى لحبيبين رائعين هما سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة.
فقد كان يحبها حباً شديداً حتى أنه عاش معها ثمانين عاماً وهي لا تنجب، لكنه من أجل حبه لا يريد أن يتزوج عليها أبداً ولم يتزوج من السيدة هاجر (أم إسماعيل) إلا حين طلبت منه سارة ذلك، وأصرت على أن يتزوج حتى ينجب.
هل يمكن للحب أن يدوم ويصل لهذه الدرجة؟
ثمانون عاما لا يريد أن يؤذي مشاعر زوجته، ثم بعد أن تزوج هاجر وأنجبت إسماعيل غارت سارة وهذه هي طبيعة المرأة ـ فرغبت ألا تعيش مع هاجر في مكان واحد.. فوافق عليه السلام وأخذ هاجر وابنه الرضيع إسماعيل إلى مكان بعيد إرضاءً لزوجته الحبيبة، وامتثالا أيضا لكلام الله سبحانه وتعالى.
سيدنا موسى عليه السلام وأبنة شعيب: القصة وردت في القرآن الكريم، حين خرج سيدنا موسى من مصر وذهب إلى مدين وكان متعبا جدا، ووجد بئرا والرجال يسقون منه وامرأتان تقفان لا تسقيان فذهب وهو(نبي) إلى المرأتين
يسألهما: ما خطبكما؟ فردتا ببساطة: لا نسقي حتى يصدر الرعاء.. فلولا أن أبانا شيخ كبير لما وقفنا هذا الموقف. فسقي سيدنا موسى لهما في مروءة، وبعد أن سقي لهما لاحظوا أنه (تركهما فورا وتولى إلى الظل) فذهبت الفتاتان إلى أبيهما تحكيان له عما حدث فطلب الأب أن تأتي الفتاتان بالشاب... فذهبت إحداهما تمشي وفي مشيتها استحياء وتقول: إن أبي يدعوك أي لست أنا، ولكنه أبي، فبدأت بالأب ولم تبدأ ب(تعال إلى البيت) هذه هي الفتاه وليست من تقول لأبيها: أريد أن أتزوج فلانا.. سأتزوجه (غصبا عنكم)..
الفتاة أعجبت بالشاب وليس عيبا.. والأب فاهم وذكي.. فعرض عليه أن يتزوج إحدى الابنتين لأنه قريب من ابنته ويفهمها جيدا، وهذا نموذج لعلاقة في إطار راقٍ ومحترم.
عمر بن الخطاب وحبه لزوجته: أحد الصحابة كان يضيق بزوجته جداً، لأن صوتها عالٍ دوما، وتعرفون أن من النساء من لديها حنجرة دائمة الصياح.. فالصحابي من ضيقه ذهب ليشكو إلى أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب فاقترب ليطرق الباب فوجد صوت زوجة عمر يعلو على صوت عمر، ويصل إلى الشارع فخاب أمله ومضى.. وبينما هو ينوي المضي إذا بعمر يفتح الباب..
ويقول له: كأنك جئت لي..
قال: نعم، جئت أشتكي صوت زوجتي فوجدت عندك مثل ما عندي، فأنظر إلى رد عمر وعاطفته يقول: (تحملتني..غسلت ثيابي وبسطت منامي وربت أولادي ونظفت بيتي، تفعل ذلك ولم يأمرها الله بذلك، إنما تفعله طواعية، وتحملت كل ذلك، أفلا أتحملها إن رفعت صوتها!).
فهذا هو الحب والعاطفة الحقيقة، وهذه هي المعاملة الحسنة للزوجة.
ونختتم بأحلى قصه حب في التاريخ، وهي ليست لقيس وليلى، ولا لروميو وجوليت، لأن هذه القصص لم تنته بالزواج... والزواج اختبار حقيقي للحب، والحب الحقيقي هو الذي يستمر بعد الزواج حتى لو مات أحد الطرفين فإن الحب يبقى مستمرا.
إنه حب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام للسيدة خديجة رضي الله عنها، حب عجيب للسيدة خديجة حتى بعد موتها بسنة تأتي امرأة من الصحابة للنبي وتقول له: يا رسول الله ألا تتزوج؟ لديك سبعة عيال ودعوة هائلة تقوم بها.. فلا بد من الزواج قضية محسومة لأي رجل، فيبكي النبي وقال: (وهل بعد خديجة أحد؟)
ولولا أمر الله لمحمد بالزوجات التي جاءت بعد ذلك لما تزوج أبدا.
محمد لم يتزوج كرجل إلا خديجة، وبعد ذلك كانت زوجات لمتطلبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينس زوجته أبدا حتى بعد وفاتها بأربعة عشر عاما.. ويوم فتح مكة والناس ملتفون حوله وقريش كلها تأتي إليه ليسامحها ويعفو عنها فإذا به يرى سيدة عجوزاً قادمة من بعيد.. فيترك الجميع.. ويقف معها ويكلمها ثم يخلع عباءته ويضعها على الأرض ويجلس مع العجوز. فسألت السيدة عائشة: من هذه التي أعطاها النبي وقته وحديثه واهتمامه كله؟
فيقول: هذه صاحبة خديجة، فتسأله: وفيم كنتما تتحدثان يا رسول الله؟ فقال: كنا نتحدث عن أيام خديجة، فغارت عائشة وقالت: أما زلت تذكر هذه العجوز وقد واراها التراب وأبدلك الله خيرا منها، فقال النبي: والله ما أبدلني من هي خيرا منها، فقد واستني حين طردني الناس وصدقتني حين كذبني الناس فشعرت السيدة عائشة أن النبي غضب، فقالت له: استغفر لي يا رسول الله فقال: استغفري لخديجة حتى استغفر لكِ.
إيمان زكي ـ السعودية
