هزمت الظروف واستطاعت أن تخرج للعالم وأن تثبت قدرتها على تجاوز المحنة التي ألمت بها منذ صغرها عندما أراد الله لها أن تكون من قصار القامة، وحاولت بجهد وإصرار غريبين أن تحول قصر قامتها حيث لا يتجاوز طولها 87 سم إلى مصدر فخر وشهرة لها، لتصبح على حد تعبيرها اقصر شرطية في العالم.

عائشة الحمودي من مواليد إمارة الفجيرة فتحت قلبها لـ «البيان» وتحدثت عن ملحمة البطولة التي سطرتها في مواجهة الإعاقة لا سيما وأنها تصنف ضمن ذوي الاحتياجات الخاصة وفي داخلها رفض قوي لكل ما هو صعب ومستحيل، وتقول: دائما إعاقتي ميزتني وجعلتني من المشاهير والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية ساعدني على تحقيق ذاتي. تحمل في قلبها أمال شابة تحلم ببيت وأسرة وتتمنى أن تكمل دراستها وتتخصص في مجال الإعلام الذي من خلاله تستطيع تقديم رسالة للعالم مفادها أن الإعاقة لا تعني بالضرورة خلل في أداء الأطراف والجسد، على اعتبار أن المعاق هو الذي يملك الإمكانات ولا يستطيع ترجمتها إلى أفعال تعود بالنفع عليه وعلى وطننا الإمارات الذي سعت القيادة الرشيدة أن يكون في المقدمة.

وحول إصابتها بتوقف النمو تقول عائشة الحمودي التي تبلغ من العمر 27 عاما ولدت بشكل طبيعي وأنا الطفلة الأولى لوالدي الذين رزقهما الله بخمس بنات وولدين كلهم لا يعانون من أي مشاكل صحية ولا تأخر في النمو كالذي أصابني، ولذلك شعرت منذ طفولتي أن علي واجبات ومهام تجاه أسرتي وأخواني تتمثل في مساعدة والدتي حفظها الله على رعايتهم وتوجيههم، وعندما علمت أنني مصابة بتوقف النمو لم يشكل ذلك أي عقبة أمامي في متابعة حياتي وأداء واجباتي الأسرية والمنزلية وبدأت حينها أسرتي تتأقلم مع وضعي من حيث توفير الإمكانات التي لا تعيق حركتي.

طموحات كبيرة

وحول انخراطها في السلك العسكري تقول عائشة كانت لدي طموحات كبيرة ولكنني وبعد أن أنهيت الثانوية سمعت عن مراكز وزارة الداخلية لتأهيل وتشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة وتشغيلهم في العين والتي أنشئت بموجب قرار سمو وزير الداخلية الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وهنا بدأت مرحلة إقناع الأسرة بضرورة انتقالي للمركز لتأهيلي وتشغيلي وبالطبع كأي بنت مواطنة وجدت المعارضة في البداية وخصوصا من قبل والدي والذي لا يختلف عن باقي الآباء الشرقيين الحريصين على العادات والتقاليد،ولكن إصراري ورغبتي دفعاه لزيارة المركز والتأكد من أنها الفرصة الأنسب لي وفعلا تم انتقالي للمركز وهناك بدأت في التعرف على عالم جديد وخصوصا عالم ذوي الاحتياجات الخاصة الذي لم أكن أملك أبسط المعلومات عنها ولم أكن أتخيل هذه النوعيات من الإعاقة، وهنا بدأت معرفة ما معنى الإعاقة.

وتجزم عائشة ومن خلال الدورات التي تلقتها في المراكز بصحبة الكثيرين من ذوي الاحتياجات الخاصة أن المعاق ليس من أصيب بخلل في أطرافه أو جسمه بل هو ذلك الذي يملك القدرات والإمكانيات ولكنه لا يستطيع الاستفادة منها وتوجيهها التوجيه الأمثل بما يكفل له القدرة على خدمة نفسه ثم وطنه، وعلى العكس نجد المعاق يعيش تحدي كبير مع نفسه ليثبت للأصحاء أنه ليس أقل منهم كفاءة ولديه القدرة على المشاركة والبناء ولذلك نجد الكثيرين منهم يحققون نتائج باهرة كلا في تخصصه سواء العملي أو الرياضي ولذلك نجد أن دولة الإمارات تملك الكثير من المعاقين الذي حققوا انجازات باهرة.

وفي سؤال حول قدوتها تقول عائشة أنا لا أخفيكم أنني أكن لسيدي الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية كل الإعجاب لأنه الداعم الرئيسي للمعاقين واعتبره مثلا أعلى لأنه لا يعرف المستحيل ويسعى للتغيير والتطوير والاستفادة من كل الإمكانيات وحتى لو كانت بسيطة وليس أدل على ذلك من اهتمام سموه بشريحة ذوي الاحتياجات الخاصة وتوفير مراكز وزارة الداخلية للتأهيل وتشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة. وحول أحلامها تجيب عائشة قائلة أنا لا أختلف عن أي بنت مواطنة تحلم أن يكون لها بيت وأسره مستقلة وخصوصا أنني عشت هذا الدور مع إخوتي منذ كانوا صغارا.

وكنت أشرف بل ولا زلت على دراستهم وأقدم لهم التوجيه والنصح علما أنهم ولله الحمد لم يصابوا بتوقف النمو وهم شباب واعد لديه الكثير ليقدمه لوطننا الغالي، وسأسعى نحو تحقيق ذاتي وعدم التوقف عند الحد الذي وصلت إليه من النجاح، وسأعمل من أجل الحصول على الشهادة الجامعية والتخصص في الإعلام، وأتمنى أن تكون لدي سيارتي الخاصة التي أستخدمها لقضاء احتياجاتي الخاصة ولكنها وللأسف ليست سيارة عادية يستطيع أي شخص اقتنائها ولذلك أن اجتهد لأوفر ثمنها من دخلي وأترقب هذا الحلم يوما بعد يوم.

عائشة: أتمنى على كل ذوي الاحتياجات تجاوز محنهم وتحويل السلبيات إلى إيجابيات

تعمل عائشة الحمودي ضمن مرتب وزارة الداخلية وتحمل رتبة رقيب بمركز شرطة البدية بإمارة الفجيرة منذ ثلاث سنوات وتقول عن طبيعة عملها: عملي بطبيعته يتعلق بالجوانب الإدارية في البداية شعرت بإحساس غريب ولكن إصراري دفعني إلى الاستمرار خصوصا وأنني بدأت العمل في قسم ضمن 25 شابا وكنت الفتاة المواطنة الوحيدة ما أثار استغراب الكثيرين ولكنني متميزة بكل حالاتي ولذلك لم أتوقف ولن أتوقف حتى أحقق كل أحلامي وتطلعاتي التي يأتي في مقدمتها رد الجميل لأسرتي وخدمة وطني الغالي الذي أعطاني الكثير وينتظر مني في المقابل الكثير.

وحول رسالتها التي تتمنى أن تصل إلى كل معاق تقول عائشة من الجيد أن يسعى كل منا إلى تحويل السلبيات إلى ايجابيات وهذا أمر سهل للغاية، فعلى اعتبار أنهم يعتقدون أنني معاقة إلا أنني أرد عليهم بالقول إن إعاقتي ميزتني وأعطتني الفرصة لكي أصبح مشهورة يعرفني الكثيرين وقد يقتدي بي كثيرين من ذوي الاحتياجات الخاصة للخروج من عزلتهم وتفعيل طاقاتهم الكامنة وتوجيهها في الاتجاه الصحيح لأن كل مواطن عليه حقوق يجب أن يؤديها لوطنه.

وعلى سبيل المثال كثيرين من الشباب تعرضوا لحوادث سير جعلتهم مقعدين على كراسي متحركة البعض منهم تأقلم مع حياته الجديد والبعض الأخر لجأ إلى العزلة والانقطاع عن العالم في الوقت الذي يجب عليه أن يظهر ويشارك بل ويأخذ على عاتقه جانب التوعية بالأسباب التي أدت به إلى ملازمة الكرسي المتحرك ليأخذ الشباب العبرة منه ويبدون مزيد من الحذر خلال قيادتهم للسيارات هناك الكثير من الأنشطة والمشاركات التي تجعل منهم عناصر فاعلين كلا في محيطه.

مواقف مضحكة

وحول المواقف التي تعرضت لها عائشة تقول هي كثيرة والبعض منها يضحك وما كان منها مؤلم فإنني أحوله إلى مادة للضحك ومن تلك المواقف نظرات الناس لي التي يملؤها الريبة والخوف وخصوصا كبار السن لأن الأطفال يتعاملون معي وكأنني واحدة من سنهم نظرا لصغر حجمي، وإن كانت أسألتهم كثيرة إلا أنها كلها بريئة وعفوية ويسعدني الإجابة عليها ومشاركتهم اللعب.

وخصوصا أنني أحب الأطفال كثيرا، ولكن كبار السن ينظرون إلي وكأنني مخلوق غريب قادم من كوكب آخر، ومن المواقف التي أضحك كلما تذكرتها عندما كنت في أحد المؤتمرات وكان أحد كبار مسؤولي وزارة الداخلية حاضر وكنت وقتها أقف لكي أتمكن من رؤية أحد المتكلمين فإذا بالمسؤول يقول لي عائشة أجلسي لأنك ستتعبين من كثرة الوقوف فقلت له ولكنني إذا جلست فلن أتمكن من المشاهدة ولن تشاهدوني فضحك وخلال فترة الاستراحة خرج وأنا أقف تحت طاولة وأقرأ كتاباً فلم يشاهدني وعندما تحرك فوجئ بي فضحك كثيرا وقال فعلا يجب أن لا تجلسي أبدا.

وحول فرص العلاج تؤكد عائشة على أنها لا تفكر بالعلاج ولا تبحث عن الحلول وذلك لقناعتها التامة بما آل إليه مصيرها وهي تحمد الله وتشكره الذي أنعم عليها بالكثير، وتقول لم أعرف بالأدوية التي تساعد على الطول أو تنشيط هرمونات النمو إلا منذ عدة سنوات، ولكني قبل ذلك سعى والدي حفظه الله وبذل جهدا كبيرا في إيجاد العلاج المناسب.

ولكن كل محاولاته باءت بالفشل ولسنين طويلة كنت أستخدم أدوية عديدة ولكن دون فائدة ومنذ عدة سنوات سمع والدي عن أدوية تنشط هرمونات النمو وانتقلنا إلى أحد الدول الأسيوية وهناك أكد لنا الاختصاصيين أنها متوفرة في الإمارات ولكن المشكلة أنها أصبحت غير مجدية بالنسبة لي لأنني تجاوزت مراحل النمو، وتأثر والدي كثيرا حينها ولكنني أقنعته أنني راضية بما قسمه الله لي ولا أتمنى أن أكون إلا ما أنا عليه حاليا، وأنا بالفعل سعيدة في حياتي راضية بما وصلت إليه وأن قصرت قامتي إلا أن أحلامي تصل إلى عنان السماء.

سليم المستكا