يسعدني أن أنقل هذه الحكاية بل لعله مجرد موقف لكنه أوحى لي بهذه الكتابة التي أجدها تناسب هذه الأيام الجميلة المباركة ونحن نحتفل بالعام السابع والثلاثين من عمر دولة الاتحاد، وحيث تتوافق مع هذه المناسبة مناسبتان أخريان عيد الأضحى المبارك ويوم رأس السنة الهجرية.
لكن ما يفرض عليّ الكتابة اليوم هو الاحتفاء بالدولة التي ولدت وترعرعت تحت أعين أبنائها البررة الذين تكاتفوا واتفقوا على المضي قدما ليحجزوا لدولتنا العزيزة مكان الصدارة في المحافل الدولية، وهاهم وقد نجحوا في مسعاهم وهاهي الدولة اليوم اسم ساطع في مشارق الأرض ومغاربها وفي جنوبها وشمالها.
وأنا أعاين ما وصلت إليه الدولة من تقدم ورقي وجمال حيث تزدان كل إمارة من إمارات الدولة السبع بصفة وخاصية تجعلها درة تنظم عقد الاتحاد. وأما الحكاية أو الموقف الذي أريد نقله فقد كنت في إحدى الدول الغربية للدراسة، وحيث أن الدولة أجنبية وبعيدة عن حدود الخليج العربي فقد حملت كتاب الله العزيز القرآن الكريم كما اعتدت إلى جانب ما حملته من إيمان بالله الذي اتكلت عليه ليكون عوني في الغربة ويوفقني في هدفي الذي سعيت إليه.
وهو التحصيل العلمي، ولكن ولأن لكل إمارة من إمارات الدولة ميزة مختلفة تكمل ما تمتاز به شقيقتها فقد اخترت من كل إمارة ما يميزها ووجدت ضالتي في البطاقات البريدية التي تحكي بالصورة من معالم الوطن وما تمتاز به كل إمارة، حتى لا تغيب عن ناظري معالم الوطن.
ولم أكن أدرك إلى ذلك الحين أهمية هذه البطاقات البريدية سوى أنها وسيلة تواصل لطيفة لا تكلف شيئا كثيرا، ولكني كنت مخطئا لأن هذه البطاقات في اعتقادي - بعد ما لمسته ؟ فإن ما تقوم به لا يقل عما يقوم به السفراء الدبلوماسيون في التعريف بالدولة ونقل الصورة المشرفة بتمثيلهم لها حيث يبتعثون.
كان الفصل الجامعي الذي التحقت به يضم كوكبة مختلفة من الدارسين ولم يكن اثنان من دولة واحدة فقد كنا مجموعة تزيد على الثلاثين طالبا نمثل ثلاثين دولة وكنت العربي الوحيد في تلك الفترة أو ذلك الفصل الدراسي من عقد التسعينات.
وحين جاء دور كل منا ليعرف عن نفسه وبلده وجدتني بعيدا ووحيدا وتكاد الغربة تفترسني في هذه التجربة الأولى، وكانت اللغة عائقا إلى حد ما وخالجني الخوف من الفشل في التعبير عن نفسي وعن وصف ما تمتاز به بلدي في الدقائق القليلة المخصصة لكل طالب من قبل الأستاذ لا تقبل الزيادة.
كان الطلاب يلخصون التعريف بأنفسهم ثم يتحدث كل منهم في بضع دقائق محددة، وحين انتهى الطلاب وحان دوري عرّفت بنفسي وباسمي وعمري وبدولتي فوجدت الغرابة في وجوه الطلاب حيث لم يسمع أغلبهم بالدولة.
وقد صدمني ذلك واستفزني، على الرغم أن هناك من سمع بها من الطلاب ولكن كان ذلك بشكل عابر لكونهم من الشباب المشغولين بدراستهم وبحياتهم وما يحيط بها ولا يهتمون بالتعرف إلى بلدان أخرى خاصة بدولة ضمن الدول التي كل ما عرف عنها البداوة والجمل والصحراء، وخاصة أيضا أن كلاً منهم يجد جنته في بلده، وإذ ذاك وجدتني اخرج (جنتي) أنا الآخر حين رأيت ملامح الطلاب تلك وكانت البطاقات البريدية هي اللغة التي خاطبتهم بها.
وقد كانت الصورة أبلغ من الكلام فيما لو شرعت بالحديث بعدما عرّفت بنفسي، وكم كان فخري بنفسي ووطني حين نجحت في أن ألقي بنظرات الطلاب المستغربة خارج باب الفصل الدراسي وأنتزع منهم نظرات الدهشة والإعجاب، وسيل من الأسئلة الفضولية والرغبة الحقيقية في معرفة المزيد عن هذه الدولة، الأمر الذي أفشل الأستاذ في أن ينهي الدقائق المحددة المخصصة لي كما خصصت لزملائي من قبل.
بل ومما جعل الأستاذ نفسه يتشارك معنا متعة النظر إلى صور معالم الدولة، وأمام شغف الطلاب وتفاعلهم بما يرون ترك الأستاذ وقت المحاضرة كله لي، وأنا اشرح لهم عن كل إمارة وهم ينظرون للبطاقات والتي كل منها تحمل أحد معالم إمارة.. الحضارية منها والعمرانية والثقافية والسياحية والتجارية... والى ما هنالك.
ومنذ ذلك اليوم وأنا أرى تطور بلادي بفخر وسعادة تزداد أكثر حين يفاجئني بعض من أولئك الزملاء الذين أصبحوا أصدقاء فيما بعد واستمرت علاقتي بهم حتى اليوم، حين يفاجئوني بإرسال شيء من جماليات الوطن حيث أن الانترنت قام بدور كبير مما أتاح لهؤلاء الأصدقاء أن يسارعوا برفدي بكل جديد عن بلادي وهم سعداء لكونهم توصلوا إلى الجديد بأنفسهم كدليل اهتمام وليكون همزة وصل تتجدد فيما بيننا.
ومنذ ذلك الوقت وزيارة بلادي حلم لبعض الزملاء، ومؤخرا فاجأني أحدهم حيث قرر أن يقضي شهر العسل مع عروسه في دولة الإمارات وبدأها بدبي. كم كانت سعادتي بهذه المفاجأة حيث أصبحت بلادي مقصدا مثاليا لا يخيب الظن فيها أبدا وكنت أنا ذات يوم (سفيرا) أو سببا في نقل صورة جميلة عن بلدي الجميل.
فتحية لبلادي في يومها المجيد، وتحية تشد على أيدي أبنائها البررة الذين اتحدوا معا بسبع درر، وصمموا على حمل الرسالة والأمانة ومواصلة المسيرة نحو التقدم والتطور برؤى سديدة ومنهاج رشيد. وكل يوم وحكامنا بألف خير ودولتنا عزيزة رفيعة الشأن كما عهدناها، وليحفظ الله الإمارات وحكامها وشعبها ومن يقيم عليها ومن يزرها ومن يتطلع إليها بحب وبأمنيات طيبة خالصة.. اللهم آمين.
محمد سيف ـ الإمارات
