عندما نسأل الكثيرين من الساعين إلى التميز والتفوق على اختلاف توجهاتهم نجد الكثيرين يتحدثون عن العراقيل التي واجهتهم حتى وصلوا إلى ما هم عليه وقد نجد البعض الآخر أعلن الاستسلام وعاد أدراجه مع أول عقبة تواجهه.
ولكن أن يواجه إنسان عقبة قد تكون الأصعب ويحقق النجاح والتميز في أروع صوره فلا بد أنه شخص غير عادي يدعونا للبحث عن الأسباب التي مكنته من تحقيق ما لم يستطعه غيره مقارنة بين ما يواجهه من عقبات وما يواجهه غيره من الشباب، لنكتشف ونسلط الضوء على أهم عوامل النجاح والتي يأتي في مقدمتها الاستقرار والدعم من جانب الأسرة في المقام الأول ثم البيئة التي انطلق منها ذلك المتميز.عبد الله عوض وأخته وفاء اللذين ضربا مثالا رائعا للتفوق رغم إصابتهما بفقدان البصر الذي كان دافعا لتحقيق ذواتهما من خلال التفوق العلمي وما حصداه من جوائز علمية على الرغم من وجود العديد من العوائق أمامهما وأولها أنهما من أبناء المواطنات، وذلك كان سبباً لإقصائهم من العديد من المنافسات كان أهمها جائزة دبي للتفوق العلمي التي تشترط أن يكون المشاركون فيها مواطنين يمثلون مؤسسات محلية على حد تعبير عبد الله.
يقول عبد الله: سعت منطقة العين التعليمية إلى إدراجي ضمن مشروع دمج ذوي الاحتياجات الخاصة وأرسلتني لمدرسة الدهماء النموذجية والتي وجدت فيها ترحاباً شجعني على أن أكون ضمن الطلبة المتفوقين بالمدرسة.
وهذا ما سعيت له وحاولت أن أحققه ثم كان التعامل الرائع من أساتذتي وإدارة المدرسة الذين يعملون جاهدين على توفير ما يستطيعون من إمكانيات تساعدني على التحصيل العلمي وأنا أقدر تفانيهم ولن أخذلهم، بل سأسعى جاهدا لأصبح نموذجا مشرفا للطالب المتميز.
كما كنت في المدرسة السابقة عندما حققت جائزة الشيخ حمدان للأداء التعليمي المتميز واستطعت في فترات سابقة الحصول على جائزة الشيخ صقر بن محمد القاسمي وجائزة الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد للطفولة وأعد مدرستي أن اعمل جاهدا لتحقيق جائزة الشيخ حمدان للمرة الثانية وباسم مدرسة الدهماء.
بدايات مريرة
يتحدث عبد الله عوض عن إصابته قائلا ولدت وأنا كفيف ولذلك لم أعاني من صدمة من يفقدون البصر بعد أن اعتادوا على رؤية ما حولهم وعندما كنت طفلا لم أكن أعي معنى أن يكون إنسان مبصر وأخر غير مبصر إلى أن بدأت أسرتي ووالدتي تحديدا.
وهي امرأة عظيمة كرست جهدها وحياتها لرعايتي أنا وأختي وفاء، وبالمناسبة نحن ستة أبناء أصيب منا اثنان فقط، والبقية ولله الحمد أصحاء والطب لم يحدد ما إذا كان سبب الإصابة وراثياً أم لا وفي النهاية نحن نحمد الله ونشكره على ما قدر وأراد.
ويضيف عبد الله: كنت لا أدرك الفرق إلى أن بدأت الأسرة في توضيح هذه الأمور وبدأت من حينها التفكير في ماهية الأشياء التي حولي وكيف هي الدنيا وكيف الألوان وأشكال الناس والكثير من الأسئلة التي تدور في مخيلتي إلى أن بدأت في تكوين المناظر في مخيلتي بحسب الأصوات وأنا بالمناسبة أستطيع حاليا وصف الأشخاص بحسب سماعي لأصواتهم وأتذكر أنني وصفت مذيعا في قناة الشارقة اعتدت على سماع صوته وكان الوصف قريبا إلى حد كبير.
وحول تجربة الدمج يرى عبد الله أن الدمج يحقق المرجو منه إذا ما بدأ بعدة مراحل أهمها سعي الأسرة إلى دمجه بالمجتمع من خلال الأنشطة الصيفية والفعاليات ثم تعويده على ارتياد المراكز التجارية وأماكن التجمع بعد ذلك تأتي مرحلة الدمج في المدارس وهنا أفضل أن تبدأ عملية الدمج في المرحلة الثانوية على اعتبار أن الطلاب أكثر نضجا ووعيا، لأنني في السنوات الأولى من مرحلة الدمج كان مديرو المدارس يخافون من استقبالي في المدرسة خوف أن يقعوا تحت طائلة المسؤولية إذا ما تعرضت لأي مكروه.
وكانت والدتي توقع لهم تعهداً بإخلاء مسؤوليتهم لقناعتها بأننا قادرون على خوض التجربة بنجاح وكان ذلك ولله الحمد، وكذلك أتذكر في السنوات الماضية عندما كان الأطفال يخافون مني ثم يبدؤون بالتعامل بمزيد من الحذر والخوف والتوجس إلى أن يعتادوا علي.
وأتذكر طالبا كان يصافحني ويده ترتعش خوفا مني، بالتأكيد ذلك كأن مؤلما ومستغربا ولكنني مع مرور الوقت اعتدت على الأمر وأصبح لدي هاجس أهم من التفكير بهذا المسائل وأصبح لدي هدف لا بد أحققه يوما ويتمثل في دراستي للشريعة والقانون.
موهبة عظيمة
يؤكد حسين السيد نافع معلم مادة الرياضيات على أن عبد الله يملك موهبة عظيمة إذ يعتبر من المتميزين في الصف وسعى لإثبات ذلك من خلال دعوته إلى حل مسألة رياضية ونحن نشاهده واستطاع بالفعل وبكل براعة حل المسألة وكأنه يشاهد كل تفاصيلها ويقول عبد الله يحفظ القوانين الرياضية من أول مره ولديه القدرة على تطبيقها ولكنه غير أكيد من قدرة عبد الله على الاستمرار لعدم توفر المناهج التي تمكنه من المذاكرة ومراجعة الدروس لوحده.
ويقول محمد الحوسني الأخصائي الاجتماعي بالمدرسة أن عبد الله تربطه علاقة حميمة مع أقرانه بالصف وبالمدرسة على وجه العموم وعلى الرغم من سعي الجميع في المدرسة لتهيئة البيئة المناسبة التي تمكنه من التحصيل العلمي إلا أن غياب المناهج المخصصة للمكفوفين تقع عائق أمام الجهود التي تبذل على الرغم من استعداد المعلمين والإدارة لمنحة المزيد من الاهتمام والرعاية، ويقول الحوسني المدرسة تهيئ عبد الله للمشاركة بجائزة الشيخ حمدان للأداء التعليمي المتميز وتجعل منه قدوة لأقرانه بالمدرسة لمزيد من التحصيل العلمي.
ويضيف الحوسني والذي يعاني هو من وجود إعاقة لدى أحد أبنائه: أنا اقدر وضع عبد الله لأنني أتذكر ولدي حمدان والذي يعاني من مرض التوحد ولذا أتمنى أن لا تكون الإعاقة سببا في انطوائه وتأخره عن أقرانه وخصوصا في المدرسة، مع العلم أننا ولله الحمد قطعنا شوطا كبيرا بفضل تضافر الجهود وعلى رأسها الإعلام للتوعية بضرورة أن نخرج أطفالنا من ذوي الاحتياجات الخاصة ونسعى لدمجهم في المجتمع بدلا من عزلهم عن الجميع.
ويؤكد الحوسني ومن خلال تجربة عبد الله على وجود طاقة هائلة لدى ذوي الاحتياجات الخاصة ولكنها بحاجه لمن يستطيع التعامل معها وإظهارها وتوجيهها بالشكل الصحيح بالقدر الذي يمكنهم من تحقيق التميز وهم أكفاء وقادرون.
برامج دمج ناجحة
تؤكد فاطمة الكعبي رئيس قسم تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة بمنطقة العين التعليمية على أن برامج الدمج ناجحة إلى حد كبير، لا سيما وأن الأبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة يملكون طاقات هائلة تحتاج إلى توجيهها التوجيه الصحيح، من خلال بيئة مناسبة تمكنهم من إبراز مواهبهم وإمكانياتهم.
وتضيف: الإطار الذي كان عليه المعاق في السابق تغير وتطورت المفاهيم وخصوصا تلك التي كانت تتسبب في عزلهم عن المجتمع والناس ما ساعد على تكون فجوة كبيرة بينهم وبين المجتمع حتى بينهم وبين أنفسهم ولذا نجدهم حاليا وبمجرد توفر الفرص وتضافر الجهود أصبحوا يعطون أفضل ما عندهم وتزايد مستوى الإنتاج لديهم.
وتقول الكعبي: بلغ عدد الطلاب والطالبات الذين تم دمجهم في المدارس الحكومية 120 طالبا وفي المدارس الخاصة 15 طالبا، ونأمل أن يكون هناك تقدم في هذه الأرقام خلال الأعوام الدراسية القادمة، ومن الحالات الذين تم دمجها في المدارس الحكومية مكفوفي البصر بشكل كلي 7 طلاب، ضعف بصر شديد 48 طالباً وطالبة و29 إعاقة سمعية و28 إعاقة حركية و8 حالات متنوعة، وبلغ عدد الطلاب والطالبات الذين تم دمجهم في المدارس الخاصة طالب واحد من ذوي الإعاقة البصرية و7 طلاب إعاقة سمعية و6 إعاقة حركية وطالب واحد إعاقة ذهنية.
سليم المستكا

