للفصول طقوس متباينة الأثر.. ترخي بظلالها على تفاصيل الحياة اليومية.. تمدد ساعات .. وتقلّص أخرى، تتجلى بوضوح في المسكن .. والمأكل والملبس، ومنذ الأزل .. دأب الإنسان على التكيف مع تلك الطقوس بما تجود به الطبيعة من خيرات.
مع هبوب نسمات «البراد» .. وانخفاض درجات الحرارة إيذاناً بدخول فصل الشتاء.. تنتعش الذائقة للوجبات التي لا تؤكل على مدار العام.. وكعادتهم بسطاء.. يستلهمون حياتهم بكافة تفاصيلها مما تجود به الأرض.. دون تذمر من قلة مواردها.. أو صعوبة التأقلم مع ندرة مكوناتها، اعتادت الجدات قديماً على تحضير «الخمير» بعد صلاة الفجر، ولازالت رائحته تستوطن الذكريات فكان ملازماً أيام الشتاء حاضراً بدفء ..
وبمعارفهم البسيطة، وخبراتهم المتواضعة، عمدت النسوة قديماً إلى تزويد وجبتهم الشتائية بنسب عالية من موارد الطاقة والسكريات، فالخمير خبز يحضّر من التمر الذي يعد مكوناً رئيسياً في معظم وجبات المطبخ الإماراتي، وتدخل في تحضيره مواد أساسية أخرى كالدقيق، والسكر والبيض إلى جانب منكهات أخرى.
هو صديق الجلسات الصباحية الباردة إلى جانب القهوة و«الفواله»، وكمية السعرات الحرارية في «الخمير» توفر قدراً من الطاقة يكفي لاستقبال يوم شتائي بارد، ولعل أفضل «الخمير» ذاك المحضّر على الحطب، والذي يمر بمراحل عدة، ويمضي وقتاً حتى يختمر، ثم يحضر على شكل قروص من العجين، ويوضع على المخبز الحديدي حتى ينضج.
وأضافت الحياة المدنية تغييرات عدة على الخمير، فأصبحت هناك المخابز الكهربائية، ودخلت منكهات لم تتوافر قديماً، وأصبح متداولاً في المطاعم الشعبية، حيث بقي الوجبة المفضلة في فصل الشتاء.
وطرأت تغييرات عدة على محتوى عجينة الخمير، وهي في الغالب تحتوي على كمية من الدقيق الأبيض والتمر منزوع النوى والمذاب في ماء دافئ والمسمى «مريس»، والزيت والسكر، ومقدار من «المخمّر»، والملح والزعفران وبذور البابونج «المثيبة» وماء دافئ للعجن، إلى جانب البيض والسمسم والزعتر والحبة السوداء للزينة، ويتم عجن المقادير للحصول على عجينة تمتاز بالطراوة، وكلما زادت مدة العجن كلمات زادت طراوة العجينة، يعقب ذلك تغطية العجينة في مكان دافئ.
تشكل العجينة على شكل كرات صغيرة، وتفرد على سطح مرشوش بدقيق، وبالفرشاة يمسح الوجه بالبيض ينثر بعدها السمسم أو الزعتر على الوجه، ثم يوضع القرص على سطح المخبز حتى ينتفخ ويحمر وجهه.
تسهم البيئة بشكل مباشر في تحديد نوعية الأطعمة الواجب تناولها، ومع دخول فصل الشتاء، لابد من اللجوء إلى الأطعمة والمشروبات التي تمد الجسم بالطاقة، وتعمل على وقايته من الأمراض.
تقول شيماء قايد أخصائية التغذية بهيئة الصحة في دبي: «ينصح في الشتاء بتناول وجبات غذائية تمتاز بسعرات حرارية عالية، وباحتوائها على دهون مفيدة، مثل زيت الذرة، وعباد الشمس، وطحين السمسم، وذلك لأن الجسم في الشتاء يحتاج إلى طاقة لتزويده بالدفء، فهو يحرق الطاقة في هذه الفصل بصورة أكبر عن الفصول الأخرى».
ونصحت أخصائية التغذية بالإكثار من شرب الأعشاب العطرية التي تزود الجسم بالطاقة، وتعمل على تدفئته، مثل الزنجبيل، بالإضافة إلى ضرورة الإكثار من تناول الخضروات والفواكه، والخبز الأسمر، لتزويد الجهاز الهضمي بالألياف، والتي تعمل على تسهيل عمليات الهضم، وتسريع عمليات الأيض، وتولد الطاقة، إلى جانب البقوليات كذلك.
وذكرت شيماء أن أهم ما يميز «الخمير» احتواؤه على السمن، والتمر واللذين يُعدان مصدراً للطاقة، ولعل ارتباط التمر بالشتاء عاملاً أساسياً ساعد على شيوع «الخمير» في هذا الفصل، كما رأت ضرورة الاعتدال في تناول الأطعمة الغنية بالدهون، وأهمية الحركة الدائمة والمشي وممارسة الرياضة، في حال تناولها، للوقاية من أمراض القلب التي تنتج جراء الإفراط في تناول الدهون.
حقائق
لماذا الخمير؟
سمي بالخمير لاحتوائه على «المخمر» أو الخميرة إضافة إلى كون العجينة تحتاج إلى فترة من الوقت حتى تخمر وتنتفخ، هو أشهر المعجنات المحلية ويقدم في الشتاء، لكونه وجبة متكاملة ذات سعرات حرارية عالية يدخل في تكوينها التمر والدقيق والسكر والخميرة والسمن.
ويؤكل إلى الجانب العسل أو الدبس، أو الجبن، كما يعمد البعض إلى إضافة الزعتر ونثره على القرص لإضافة نكهة مميزة، ويؤكل الخمير عادةً في الصباح،.كما يمكن ان يُعد نوعاً من «الفواله» أي الضيافة، ويمكن تناوله كوجبة للعشاء.
أمل الفلاسي
