أسئلة كثيرة تزداد يوما بعد يوم وتصاعدت في الآونة الأخيرة وخصوصا في السنوات الخمس الماضية لتدق ناقوس الخطر بنسبة تسرب وظيفي يقدر بـ 30% كما أكدته عدد من المصادر المسؤولة ما أدى إلى تعرض جهات حكومية وخاصة كذلك لخسائر فادحة بسبب رحيل الكفاءات منها .
حيث تنفق مبالغ ضخمة في تدريبهم وإكسابهم الخبرات اللازمة، على اعتبار أن سوق العمل أصبح مفتوحا للموظف بأن يختار ما يراه مناسبا له بعد حصيلة من التدريب و الخبرات والتجارب في وظيفة سابقة أو موقع عمل معين، حيث أصبح يتفاعل مع الإغراءات الكثيرة التي تناسب ما يطمح له ولو على حساب راحته في وظيفة سابقة، في ظل قلة عدد الملتحقين الجدد إلى بسوق العمل لأسباب مختلفة أكثرها البطالة. وطالب عدد من المواطنين بضرورة وضع هيكل ثابت للأجور والترقيات والامتيازات وإلزام جميع المؤسسات والشركات بها خاصة أن زيادة الرواتب ومنح الترقيات وتعديل الهياكل الإدارية فوق معايير محددة تحقق الاستقرار الوظيفي وتحد من هذه الظاهرة.
حيث تكاد ظاهرة هجرة الكفاءات المحلية كما قد يطلق عليها أو ما اصطلح على تسميته بالتسرب الوظيفي وتنقلها ما بين مختلف القطاعات والمؤسسات، الأمر الذي يستوجب على الأجهزة الإدارية العليا أن تدرس مثل هذه الظاهرة وتحديد أسبابها في أن يتخذ موظف كفء قراره بالانتقال لجهة أخرى والبحث عن مناخ وظيفي أفضل تتمثل بتغيير وظيفته ليصبح الكسب المادي أو الوجاهة الوظيفية أقوى من الانتماء الفعلي لمؤسسة التحق بها منذ بداية انخراطه في مجال العمل، ما قد يسبب خللا مهنيا وازدواجية المعايير في التوظيف بصفة عامة. وبهذا التساؤل نستطلع آراء عدد من الموظفين في قطاعات مختلفة. غياب البيئة المناسبة المهندس مبارك هلال الزعابي موظف في جهة محلية يقول إن هناك أسبابا كثيرة لبروز هذه الظاهرة منها عدم إيجاد البيئة المناسبة والملائمة للعمل التي تراعي قدرات الموظف وإمكانياته إلى جانب عدم قدرتها كبيئة عمل على تقييم وتمييز الموظفين بناء على القدرات والإنجازات.
إضافة عن كونها لا تساهم في التخطيط والاهتمام في تطوير وتدريب موظفيها من أجل الإبداع واكتساب الخبرات وتأهيل الكوادر، كما أنها بالإضافة إلى ذلك لا تمنح صلاحيات أكبر في اتخاذ القرارات فضلا عن البحث عن راتب أفضل كل هذه الأسباب مجتمعة تدفع الموظف إلى ترك وظيفته والبحث عن مكان آخر.
وأضاف الزعابي بأن كل شخص له سبب أو أكثر من ذلك يدعوه إلى الرحيل وترك وظيفته على حسب ما يشعره ويريده وفق ما يتناسب مع تحديد أهدافه وميوله، مؤكدا على أن طرق العلاج كثيرة أهمها وجود تعاون وتنسيق بين جميع الجهات المختصة لتأهيل الموظف.
بحيث تكون الشفافية المبدأ العام الذي يتحكم لأن المجتمع بحاجة شديدة و أكثر من أي وقت مضى إلى كل الكفاءات والخبرات في دولة مثل الإمارات، التي تشهد طفرة عمرانية شاملة وواسعة على كافة المستويات والأصعدة كي يكون الأداء واجبا وطنيا بين الجميع لنهضة البلاد.
وأشار غسان الكثيري مدير أول الاتصال المؤسسي إلى أن هناك سبباً لوحظ تأثيره في وجود مثل هذه الظاهرة بناء على خبرته العملية واتصاله في عدة شركات عالمية يتضمن فريق عملها من خبراء من جنسيات عربية وخليجية وكذلك إماراتية، يملكون المؤهلات العالية التي توازي خبرات مثيلاتها من الخبرات العالمية إلا أنه في حال إعادة الهيكلة لتلك الشركات تبقى تلك الخبرات في مواقعها الوظيفية دون الترقي وإحلال كوادر جديدة بدماء نظيفة وغير مؤهلة يتم استقطابها خارجيا في مواقع وظيفية أعلى من تلك السابقة، لتصبح تلك الجهات طاردة لأصحاب الخبرة والكفاءات التي لا مبرر لها من قبل المسئولين عنها، ويؤدي ذلك إلى الانتقال لعمل آخر حتى لو كان الراتب أقل.
وأوضح أن أصحاب القرار والمسؤولين في مجلس الإدارة العليا هم أصحاب التغيير في تحسين بيئة العمل وتقييم الكفاءات ووضع ضوابط أساسيه وهامة لمنع هجرة تلك الخبرات إلى مواقع عمل أخرى أفضل من وجهة نظره. التي تستوجب عليهم البحث عن الأسباب التي تدفع للانتقال وازدياد ظاهرة التسرب الوظيفي، إلى جانب أن تكون هناك رقابة من الجهات المختصة على المديرين والمسئولين لأنه عندما يتولى شخص ما مسؤولية جهة معينة فهو يحمل أمانه عليه أن يؤدي عمله فيها على أكمل وجه.
وتمنى الكثيري من أصحاب القرارات والمناصب كذلك في توظيف الكفاءات وحملة الشهادات وترقيتها بعيدا عن تدخل الواسطة والمحسوبية والعلاقات الشخصية، التي لا زالت أذيالها هي المعيار لهم في قياس وتقييم تلك القدرات المختلفة.
ويعتقد عيضة بن مسعود أن التقدير واحترام القدرات من أهم الأساسيات التي يحتاجها الموظف إذا لم تكن أهمها والملاحظ أن معظم الكوادر الوطنية تعاني من قلة الاعتماد بهذه الجوانب، والتي كما ذكر بأنها مهمة ورئيسية. والغريب أن عدم أو قلة الثقة بقدرات هذه الكوادر تأتي من مسؤولين ومديرين مواطنين، وخاصة في المؤسسات والدوائر التي تجمع بين المواطنين والأجانب غير العرب.
رغم أن الحكومة الرشيدة تولي اهتماما كبيرا بمسألة التوطين والتقدير وهذا ما حدا أكثر الكوادر الوطنية على اتخاذ هذا القرار برغم المغريات المادية والرواتب الجيدة. ولتفادي هذه الظاهرة لابد من تقدير العقول المواطنة وإعطاء الثقة للكوادر المحلية لكونها المعيار الأساسي للتقييم، حيث لم يعد صاحب الشعر الأصفر والعيون الخضراء هو الأفضل دائما.
الحوافز المادية المغرية تقف وراء ظاهرة التسرب الوظيفي
اعتبر الدكتور عبدالحميد الرميثي المدرب والخبير المعروف في مجال تنمية الموارد البشرية بأنه يمكن وصف التسرب الوظيفي بين عدد من الجهات والمؤسسات بالبسيط وغير المقلق وأغلب الحالات تتجه حول الحوافز المادية المغرية، فهي في الوقت ذاته مؤقتة ولن تستمر طويلاً لاعتبارات كثيرة كون الأوضاع استقرت، وأغلب طالبي العمل والعاملين في قطاعات العمل المختلفة يرغبون في الاستقرار بعد عناء الكثير منهم في الحصول على وظائف.
لافتا إلى أن الحاصل الآن وبصورة ملحوظة متعلق بإنهاء خدمات الكفاءات المحلية التي استمرت بالعمل أكثر من 15 سنة واستبدالها بأخرى شابة وهذا الأمر يتضح بالقطاع الحكومي.
حيث إن هذه الكفاءات عندما يتم التخلي عنها تكون هناك ازدواجية تتمثل بخروج كفاءة والاستعانة بوجوه شابة لم تتشرب الخبرات وتندمج مع السابقة ما قد يخلق طرقاً وظيفية غير واضحة. فيما لو يتم التنسيق بين هذه الإشكالية وتنظيم آلية العمل فيها، سيؤدي ذلك إلى خلق بيئة عمل ناجحة من كافة المعايير.
وأشارت نجوى النقبي ؟ موظفة في قطاع خاص- إلى أن الاستقرار الوظيفي يتحقق عن طريق المعاملة الطيبة فيجب مراعاة الجانب النفسي والمعنوي للموظف ومعاملته بشكل لائق ومساواته بالحقوق. ويجب تطبيق مبدأ الثواب والعقاب بشفافية مطلقة فمن يجتهد يكافئ .
ومن يخطئ ويقصر في أداء عمله يعاقب لأن عدم التقدير المعنوي والتشجيع المادي، يجعل كل تلك المؤسسات تخسر موظفيها ويتركونها إلى أماكن أخرى تقدره وتهتم بتطويره بعد أن تكون مؤسسته دربته وأهلت الكادر الخاص بها.
مضيفه بأن موقعها الحالي لا يترك مجالا للدورات والبرامج التأهيلية والتدريبية، التي تساعد على الترقيات والتسلسل الوظيفي لأن ذلك يؤخذ من نسبه الراتب، ما يؤدي إلى عدم تحفيزها على الاستمرار في الاجتهاد والعمل واكتساب الخبرات لتصبح في يوم ما من أهل الخبرات.
فأي مؤسسة أو جهة تريد أن يبقي الموظف الذي درب وأخذ خبرات معينة عليها بإعطائه المكافآت والامتيازات، لأن الموظف دائماً ما يحتاج إلى التشجيع والضمانات التي يوفرها للبقاء على رأس عمله ومنع إشكالية التسرب من الوظيفة.
كما ذكرت النقبي بأن هناك خللاً يجب ايجاد العلاج له يكمن بصورة عامة ؟ على حد تعبيرها ؟ في عدم وجود صف ثان من القيادات في الأجهزة والوزارات والمؤسسات، والتي تعتقد وجوده بسبب خوف بعض المسئولين على مواقعهم وكراسيهم، فهم يعتقدون انه إذا ما أفسحوا المجال للصف الثاني فسيتم الاستغناء عن خدماتهم وهذه مشكلة، لأن هذا المسؤول يتقوقع في مكانه ولا يسمح لأحد من مرؤوسيه بالبروز والاجتهاد وينسب لنفسه كل عمل جديد ويلغي الآخرين وتكون النتيجة عكسية على العمل وعلى المجتمع ككل.
إلا أنه بالعكس منه عندما يتيح المسؤول الفرصة أمام موظفيه ويفوضهم في القيام بالأعمال والمشاريع، والاستماع إليهم وإلى مشورتهم فإن النتيجة ستكون ايجابية بالنسبة له وللمجتمع ككل، ولكن هذا غير موجود ما أدى إلى بروز هذه ظاهرة التسرب الوظيفي في الفترة الأخيرة. الأمر الذي يؤكد بأن هذا الصنف ليس قائدا وإنما هو اختير في موقعه لظروف معينة وليس لكفاءته وهناك من أكفأ منه.
لافته إلى أن رؤية الإستراتيجية الشاملة لدى الدولة والتي جاءت بناءً على توجيهات من رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ونائبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل نهيان رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في إقحام الشباب في مراكز قيادية وإسناد المسؤوليات إليهم باعتبار أن روح الشباب تدفع في اتجاه المبادرة والتقدم والابتكار.
وذلك لإيمانهم بأن وجود كادر قوي ومتعلم وقادر على استيعاب ما يحدث من حوله محليا وعالميا، يساهم في تحريك عجلة التنمية والنهوض في الدولة في مختلف المجالات والأصعدة.
سببان لانتشار الظاهرة
أكد غسان الكثيري مدير أول الاتصال المؤسسي أن هذه الظاهرة انتشرت في السنوات الخمس الأخيرة بصورة ملحوظة يحركها ؟ من وجهة نظره- سببان أساسيان وذلك من خلال تجربته الوظيفية على مدى 10 سنوات تنقل خلالها بين أربع وظائف.
تمثلت أولاً في بيئة العمل لأن الموظف بشكل عام يبحث عن بيئة عمل نظيفة بعيدة كل البعد عن الضغوط سواء النفسية والمادية كذلك وتسود أجواءها المودة والاحترام والتقدير ما يجعل ذلك الموظف على سبيل المثال يختار مديره وليس العكس كما هو معروف سابقا.
وظاهرة التسرب لا تتعلق بالمواطنين فقط وإنما تشمل الجنسيات الأخرى حيث يختار الموظف مديره الذي يقدره و يحترمه. فيما السبب الثاني الذي يتعلق بقلة الرواتب التي قد لا تعطي دافعا كبيرا للعطاء والاستمرار. كما أنه لا يرجح انتقال الموظف لهذا السبب إلا بغرض زيادة معارفه والتحسين من مستواه الوظيفي.
ناهد مبارك


