عندما يطيب الهواء وترق أشعة الشمس فيختفي سوط لهيبها، ليس أجمل من الصحراء لتحتوي زائريها، وليس أفضل منها لتخبرهم بأسرارها، فمن يتصور أن تلك الشاسعة التي أخذت اسمها من هجر النبات لها تمثل تجسيدا ساحرا لمتع الطبيعة وأفقا مفتوحا يجعل الإنسان يتنفس هواءها النقي ملء رئتيه ويتطلع حوله فلا تحده مسافات.
ولا تخنق روحه شاهقات المباني، وفي صحراء الختم التي تبعد عن إمارة أبوظبي ما يقارب الثمانين كيلومترا على طريق العين كانت رحلة الصحراء مزيجا مدهشاً بين رقة الطبيعة جمالها ورقة المشاعر الإنسانية التي تذكرت الأيتام والمعوزين ونظمت لهم رحلة الترفيه المدهشة.انطلقت قافلة الرحلة التي نظمت لصالح أيتام مركز الإحسان الخيري من عجمان إلى أبوظبي وكانت تضم أعضاء إدارة مركز الاحسان الخيري وأسر الايتام المسجلين في المركز إضافة إلى عدد من الاعلاميين. بينما كان الشيخ الدكتور عبد العزيز النعيمي الرئيس التنفيذي للمركز قد سبق القافلة إلى المخيم الصحراوي الذي استضاف الرحلة التي استغرقت ما يقارب الساعتين للوصول إلى منطقة ختم، حيث كانت مجموعة من سيارات الدفع الرباعي تنتظر الزائرين لتبدأ رحلة المغامرة والإثارة على التلال الصحراوية، فكان هناك تحد لجدارة سائقي السيارات أمام أمواج الرمل صعودا وهبوطا.
وما أن ترجل المدعوون حتى بدت الابتسامة واضحة على وجوههم وهم ينظرون إلى المخيم الذي أقيم على طراز عربي بينما كانت الجمال تنتظر راكبيها عند التلال لتخبرهم أن الرحلة معها أكثر سلاسة من رحلة سيارات الدفع الرباعي فبادر عدد كبير من الزوار وخاصة الأجانب الذين ساهموا في دعم تلك الرحلة الخيرية إلى التجول في رحلة صحراوية أخرى على الجمال.
وعند العودة إلى المخيم كانت فعاليات أخرى تنتظر الزوار، ففرقة الحربية كانت تستقبل الزائرين بأداء اللوحات التراثية وإنشاد الأغاني بينما كان المهرج يزرع الابتسامات بين الصغار.
وهو يصنع لهم ألعابا وأشكال حيوانات من البالونات، ويشاركهم برنامج الألعاب الذي بدأ على مسرح المخيم ما أن التأم شمل الحاضرين، وكان لفرقة الدبكة الفلسطينية مشاركة حركت مشاعر الجمهور فشاركهم الدبك ليكون يوما عامرا بالفرح والابتسامة التي جعلت من الرحلة متعة جديدة لكثير من الصغار الذين لم يعيشوا مثل تلك التجربة من قبل.
وبعد أن أرخى الليل سدوله وقدم طعام العشاء كان للتأمل في ابداع الخالق نصيب إذ قدم رئيس مجموعة دبي للفلك حسن الحريري تجربة لمشاهدة الكواكب والأجرام السماوية والتعريف بعلم الفلك وأهميته في حياة الإنسان.
متعة المعرفة
كانت الرحلة مثل بستان أنبت أشكالا وألوانا من الزهور، فقد قدمت متعة ممزوجة بالمعرفة وتحيطها مشاعر المودة التي كان الإنسان يشعر بها أينما ذهب.
وهي فرصة للتعريف بالعمل الخيري حيث أشار الشيخ عبد العزيز النعيمي الرئيس التنفيذي لمركز الإحسان الخيري إلى أن هذه الفعاليات السياحية يمكن أن تعرف الزوار الأجانب بمؤسسات العمل الخيري في الدولة وتبرز صورة إنسانية عميقة في التعامل مع الأيتام والمعوزين ومحاولة تلبية احتياجاتهم ودمجهم في الفعاليات الترفيهية والأنشطة الاجتماعي التي تخفف من معاناتهم وتزرع الابتسامة على وجوههم.
ولابد من شكر شركة نت تورز التي نظمت الرحلة وتبرعت بريعها لصالح أيتام المركز لأن هذا الاهتمام يعزز التواصل بين الشركات والمؤسسات الخيرية ويدعم رعاية اليتيم والاهتمام بحاجاته المادية والنفسية.
وحول اهتمام مركز الإحسان الخيري بالأنشطة الخاصة بالأيتام تحدثت سعدية الجنيبي المديرة التنفيذية للمركز قائلة: «لم تكن تلك المرة الأولى التي تنظم فيها أنشطة ترفيهية للأيتام المسجلين في المركز، لكنها المرة رحلة السفاري الأولى بالنسبة لهم ولن تكون الأخيرة إن شاء الله.
حيث يأتي تميز تلك الرحلة بعودتنا إلى الطبيعة البكر حيث يستكشف الصغار علاقتهم بالمكان ويستنبطون ألعابهم منه مفرغين طاقتهم عن طريق الحركة في الأماكن المفتوحة.
وكانت الدعوة موجهة لأسر الأيتام كذلك لأن المكان مناسب للأسرة بكاملها بينما كانت لدينا رحلات سابقة تقتصر على أعمار معينة كالرحلات العلمية، إضافة إلى أن المركز يكافئ الطلبة المتفوقين من الأيتام بتنظيم رحلات ترفيهية خاصة لهم لتشجيعهم على مواصلة التفوق وتحفيز الأطفال الآخرين على الحذو حذوهم، وهو ما يمكن أن تقدمه الأسر لأبنائها فالمركز يحاول تعويض الصغار معنويا وماديا ليخفف عنهم معاناتهم وشعورهم بالفقد».
ويرى عبد الله الجعدي مدير إدارة التطوير والتنمية في المركز «أن هذا النوع من الرحلات السياحية يهدف إلى تعريف الأيتام بمناطق الدولة المختلفة، وكذلك تعريف السياح الأجانب بنشاطات المركز وأهدافه وفعالياته وأهميته العمل الخيري في الدولة والشرائح التي يستهدفها، إضافة إلى الجانب الترفيهي الذي جعل الجميع يستمتعون برحلة السفاري خاصة أن معظم الناس يعانون من صعوبة التخطيط للإجازة واختيار الفعاليات المناسبة لها».
وكانت خطة المركز في جمع الأيتام تتم على أساس قاعدة المعلومات المتوفر عنهم حيث تشير ليلى صالح سالم رئيسة قسم الكفالات في مركز الإحسان الخيري بعجمان: «لدينا سجلات لأسماء وعناوين الأيتام المسجلين في المركز.
وقد تم الاتصال بهم ودعوتهم إلى الرحلة ولم يتخلف منهم سوى طفل واحد كان يعاني من نزلة برد تعافى منها والحمد لله، وكانت الرحلة جديدة بالنسبة للأطفال وأسرهم فقد كانت المرة الأولى التي يخرجون فيها برحلة سفاري ويعيشون أجواء الصحراء والمخيم السياحي المقام هناك».
وشاركت بعض اسر الأيتام بعرض منتوجاتها من الأعمال المصنعة يدويا حيث أقيم في ركن من أركان المخيم معرض للمشغولات اليدوية التي قدمتها «عشرة النساء سيد» وهي إحدى السيدات اللائي تبنى المركز الترويج لمنتجاتهن ومساعدتهن على إيجاد دخل مادي من مشغولاتهن اليدوية.
وقد عبرت عن اعتزازها بعملها قائلة: «عملي في صناعة الإكسسوارات والمشغولات اليدوية شكل فرقا معنويا وماديا لي فبدلا من أن يلازمني الشعور بالحاجة وانتظار المساعدات من الآخرين ساهم المركز في تشجيعي ودعم عملي في هذا المجال وقد أتيحت لي الفرصة لعرض مشغولاتي في معظم المناسبات والفعاليات التي يقيمها المركز وهو أمر يجعلني أشعر بالفخر كوني أقدم عملا يعود علي بالفائدة ويقدم بعدا فنيا وجماليا في الوقت ذاته».
كانت رحلة حافلة بدأت منذ ساعات الظهيرة واستمرت حتى منتصف الليل استطاعت أن تؤتي ثمارها في تقديم مردود إنساني مؤثر لدى جميع المشاركين فيها فقد كانت الصحراء تحتضن الأيتام وتقدم لهم أوقاتاً سعيدة ترمم صعوبة أيامهم.
دلال جويد

