لم يُخيل لعفراء ذات السبعين عاماً أنها تعطر المساء الأخير.. عندما وقفت واضعةً «المدخن» أسفل ثيابها وهي تتهيأ للصلاة على السجادة عشاءً.. قبل أن تجد نفسها محاطةً بالنيران التي أكلت ثيابها ولحقت بأجزاء كبيرة من جسدها الهزيل، ملقيةً بها إلى قدر التنقل بين مستشفيات الدولة لقرابة السنتين.. والسماح للأدوات الطبية والمراهم والمحاليل باختراق جلدها في محاولة لترميم ما تبقى منه، والعودة بصحتها إلى خط الاستقرار، فهي مصابة بالسكري، والحروق تتطلب وقتاً مضاعفاً في هذه الحالة كما قال الطبيب. أمضت عفراء وقتاً طويلاً بعد انتهاء رحلة العلاج، فالحروق التي برأت لا تزال بحاجة إلى مراقبة الأطباء، ومتابعة مستمرة من الأبناء، فأي إهمال قد يسبب تآكل الجلد مجدداً، فيما كان العطر سبباً في تغيير مجرى حياتها.. وأقعدها عن المشي لمسافات طويلة.
خسائر مادية ... حكاية عفراء مشابهة للعديد من الحكايات التي كان سببها الإهمال والإفراط في استخدام «البخور» والتهاون في الأخطار التي قد يلحقها بالإنسان والمكان، ففي منزل أم محمد، كان الحادث التالي، عند السابعة مساءً تسللت أيادي الخادمة إلى خزانة الملابس، ودسّت «المدخن» الممتلئ بالجمر قاصدةً تعطير الثياب، ثوان معدودة كانت الخزانة بعدها قد امتلأت بسحب البخور السوداء، التي تسللت إلى باقي زوايا الغرفة، وثوان مشابهة، كانت كفيلة بإشعال الخزانة الخشبية والغرفة بنيران المبخرة الصغيرة تلك. تم قطع الطيار الكهربائي عن المنزل، وتداركت أم محمد الوضع بالاتصال بالدفاع المدني ولجأت إلى عشرات الدلاء المملوءة بالماء لإخماد حريق انتقل إلى بقية غرف المنزل إلى حين وصول أنابيب الإطفاء ولكن دون جدوى، فما زالت أم محمد «ترقع» آثار الحريق الذي خلفته المبخرة لأسابيع تلت الحادث، كان سببها مرة أخرى الإهمال.
قد تكون الخسائر المادية هي الأقل ضرراً إذا ما قورنت بالبشرية، ولكن ذلك لا ينفي ضرورة التزام الحذر، والتعامل مع مخاطر البخور بحزم وجدية، دينا.. فتاة عشرينية شكت مراراً من أزمة في التنفس، زارت الطبيب الذي فوجئ بدوره من حالة رئتيها البادية في صور الأشعة، وتوجه إليها بسؤال مستغرب عما إذا كانت مدخنة، باستغراب أكبر نفت دينا ذلك السلوك ..
ولكن الطبيب فسّر الاعتلال في حالتها الصحية باستنشاقها كمية كبيرة من الدخان، تداركت بعدها دينا الوضع، وأخبرته أنها تستخدم البخور بصورة يومية وفي أماكن مغلقة، حيث كان لابد من بعض الإرشادات بالابتعاد نهائياً عن استنشاق البخور واستخدام بعض الأدوية المسكنة.
أمراض مزمنة
في الجانب العلمي، تشير الدراسات إلى خطورة الدخان المنبعث من البخور ومشتقاته، ويوازي ذلك في ضرره التدخين، أو التعرض لدخان المصانع أو عوادم السيارات.
يؤكد الدكتور ميرزا الصايغ استشاري في هيئة الصحة بدبي ورئيس شعبة الأمراض الصدرية بجمعية الإمارات الطبية أن كثرة استعمال البخور ضار بالصحة، وهو عبارة عن احتراق مواد مستخلصة من الحطب، والتعرض له بصورة يومية يوازي في تأثيره تدخين السجائر، إلى جانب كونه يساهم بطريقة مباشرة في تلوث البيئة.
ودعا الصايغ إلى استخدامه باعتدال بصورة أسبوعية أو في المناسبات، لأن الإفراط في استنشاقه يؤدي إلى الإصابة بأمراض صدرية، سيما للأفراد الذين يعانون من الربو والحساسية، فيجب عليهم تجنبها.
وحول آثار هذا الاستخدام على الصحة في المدى البعيد، أشار الدكتور ميرزا إلى عدم وجود إحصائيات ترصد هذه الآثار، وأضاف: «لاحظنا أن النساء اللاتي كنّ يستخدمن الحطب في طهي الطعام قديماً وبصورة يومية تعرضن فيما بعد للإصابة بأمراض التهابات القصبة الهوائية، وهو مرض مزمن غير قابل للعلاج».
ودعا الصايغ إلى ضرورة تكثيف الجهود في محاربة الاستخدام المفرط لجميع ما من شأنه الإضرار بالجهاز التنفسي، سواء كان التدخين أو الاستخدام المفرط للبخور أو التواجد في بيئة ملوثة كالمدن الصناعية، إلى جانب أهمية توعية الجيل الشاب بهذه الأضرار للمساهمة في الحد من مسبباتها.
وتشير إحدى الدراسات إلى أن حرق البخور يؤدي إلى الإصابة بحالات صحية خطيرة ويزيد أثره عن التدخين أو عادم السيارات في الأماكن المزدحمة.
ابتكار
البخور في الحضارات
يعد البخور خلطةً عطرية مركزة، لما يحويه من عطور طبيعية قابلة للاحتراق مخلفة أبخرة عطرية، وهناك مكونات أساسية لكل خلطة تتشابه في بعضها وتختلف في العطور، ومن المكونات الأساسية السكر والعنبر والمسك ومسحوق العود وأعشاب الظفر بنية اللون والعود وعطور وماء ورد بنسب مختلفة وحسب الرغبة.
تصفى المكونات ويدق كل منها على حدة وتخلط عدا السكر والمسك والعطر وماء الورد، ويدق المسك ثم يضاف إليه السكر وماء الورد ويوضع على النار ويحرك حتى يذوب السكر والمسك، يضاف بعد ذلك الخليط السابق على النار ويتم تحريكه حتى يتجانس، ويوصى بوضع البخور على جمرات خفيفة، حتى لا يشتعل المسك مسبباً الحريق.
وهو شائع الاستخدام في ثقافات عدة، فإلى جانب شيوعه في منطقة الخليج العربي يستخدم بكثرة في الهند وشرق آسيا وارتبط استخدامه بأماكن العبادة، كالمعابد والكنائس.
ويلجأ البعض إلى استنشاق البخور أو تعطير المكان به بدافع التفاؤل والرغبة في السكينة، ويعتقد البعض أن الرائحة المنبعثة من احتراق البخور تطرد الشياطين، وتزيل مفعول الحسد، وتساهم في شفاء المرضى.
ويشيع استخدامه أيضاً في المناسبات، كالأعراس والأعياد، للرجال والنساء على حد سواء، ويعتبر العود الذي يجلب من الهند من أجود الأنواع المستخدمة في صنع البخور.
أمل الفلاسي

