كما أن الحياة الأسرية تحمل في حناياها السكينة والطمأنينة للزوج والزوجة والأبناء على السواء، إلا أنها قد تمر لسبب أو لآخر بمطبات قاسية تدفعها دفعاً باتجاه تهدم البنيان المتكامل والدخول إلى حلقة الطلاق التي يتجنب الدخول فيها كل من كان داخل قفص الزوجية لاسيما بعد وجود الأولاد بين الزوجين.
ولكن الأمر قد يقع، ويذهب كل فريق بما يريد ويبقى الأبناء في كثير من الأحيان حائرين بين الطرفين، يتنازعهم الولاء.. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.. ومن جهة أخرى تتعقد المسألة حين يدخل على حياة هؤلاء الأبناء ليجد الأب نفسه مطالبا بالتعامل مع أبنائه وفق نظام جديد ومن هنا سوف تظهر عادة تحديات جديدة فليس من السهل على أي رجل تقبل حقيقية عيش أبنائه مع رجل غريب، رجل يسعد ويستمتع بأبنائه الذين يتوق هو للعيش معهم. وفي أفضل الحالات سوف يظل الأب غير الحاضن داعماً لأبنائه وسوف يسعى لإقامة علاقة طيبة مع زوج الأم، في الوقت الذي يتمكن بعض الرجال من تحقيق هذا الانجاز وبناء العلاقة بأسرع وقت والبعض الآخر سوف يعجز عن ذلك، ولعل من اكبر التحديات التي سوف يواجهها الأب في هذه الحالات هو اتهام الأبناء له بعدم الاهتمام، أو التزامه الصمت ومشاهدة الأبناء وهم يتعرضون على سبيل المثال لغسيل مخ وشحن مستمر ضده.
كل هذه الأمور والسيناريوهات سوف تكون أكثر إيلاما للآباء الذين شهدوا مولد أبنائهم والذين كانوا يستمتعون برعايتهم، فبعد إقامة علاقات وثيقة مع الأبناء سوف يجد الأب نفسه فجأة يعامل وكأنه للأسف شخص غير مرغوب به وغريب..
طاقة جبارة
رأت سوسن بدر حموري.. ربة منزل أن مصير الزوج والزوجة بعد الطلاق إلى الضياع فالزوجة لا تستطيع أن تملك الطاقة الجبارة التي اعتادت عليها في تربية أبنائها كما الحال في السابق مع زوجها، فلقد أصبح الوضع مختلفا كثيرا جدا عن السابق فالقدرة عند الزوجة كانت مستمدة من الزوج الذي هو مصدر السعادة في البيت وللأسرة وهذا المصدر انقطع بعد الانفصال.
واعتبرت أن الحياة ما بعد الطلاق هي أشبه بحالة الوفاة التي يشعر بها الإنسان بأنه فقد أغلى وأعز ما يملك، وتشعر به الزوجة أكثر من الرجل لأنها أصبحت كما يقال بلا مأوى، فالزوج بإمكانه الزواج من أخرى بسهولة ولكن المرأة كيف لها أن تبحث عن البديل المستحيل فالنظرة المأخوذة عن المطلقة نظرة سلبية من الرجال فتجد المطلقة أن حياتها بلا معنى حيث فقدت قدرتها على تربية الأبناء وفقدت المعيل والحبيب.
وقالت سوسن إنه في مثل هذه الحالات من الطلاق قد تصل المرأة إلى حد اليأس كما أن الرجل أيضا قد ينتابه حالة من البؤس وقد ينتهي المآل ببعض الرجال المتزنين والحكماء إلى اقتراف أفعال غير لائقة وغير منطقية، فكثير من الآباء يعبرون عن غضبهم لعدم قدرتهم التواصل مع أبنائهم باستخدام أسلوب وطريقة قد تصل لحد الخطر والموت حتى يقنعوا أنفسهم بأنهم قادرون على تحمل فراق الأبناء.
انتقام الزوجة
وأما من وجهة نظر سمير محمد الدرزي، مدير محل فإن كثيراً من الزوجات المطلقات اللاتي بيدهن حضانة الأطفال يتخذن أسلوب الانتقام من الأزواج ويختلقن كل الأعذار لعدم السماح للزوج برؤية الأبناء، حتى بعد الطلاق تبقى هذه الغريزة إلى الأبد داخل النساء ولا شك أن هناك نساء تتقين الله في تصرفاتهن حتى بعد الطلاق.
واعتبر الدرزي انه يصعب وصف مدى الشعور بالعجز والغضب والقلق الذي يجتاح الزوج في مثل هذه المواقف، كما أن مشاعر الإحباط والألم التي تنتاب الأبناء بعد انفصال الأم والأب ينشأ عنها اعتقاد لدى الأبناء بأن آبائهم غير مكترثين بهم ولا يهتمون لأمرهم وهنا الكارثة الأخرى ما بعد الطلاق.
وقال سمير إن الألم الذي يسببه الانفصال يكون حادا بالنسبة لبعض الآباء مما يدفعهم إلى قطع صلتهم بالأسرة كاملة وذلك بسبب فقد الرجل لاتصاله بأبنائه أو فقد التواصل اليومي لهم بسبب الزوجة التي سعت إلى عدم رؤية الزوج لأبنائه كوسيلة للانتقام منه، ولذلك يكون من المثير أن يسعى للبحث عن أسرة جاهزة لتعوضه عن هذا الخواء الذي يشعر به وأصبح كابوسه اليومي وذلك لمحاولاته الملحة لتكوين أسرة.
وقد يصل الأمر بأن يجد الرجل نفسه مدفوعا للتظاهر بأنه الأب الحقيقي لأبناء زوجته أو المبالغة في اهتمامه لهم، وإن استشعار هذا يمكن أن يدفع أبناء الزوجة إلى محاولة استغلال زوج الأم واقتناص هذه الفرصة، ولكن ما لا يدركه أزواج الأمهات أن الإفراط في تعويض أبناء الزوجات يمكن أن يكون أكثر ضررا عليهم بنفس قدر إهمالهم، ما لم يعالج زوج الأم مشاكله الخاصة بهويته كأب ويمكن أن يجد نفسه بصدد التعامل مع مواقف أكثر تعقيدا من وضعه كزوج أم أثناء سعيه للتعامل مع أبنائه أو أبناء زوجته الجديدة، فهم لا يفكرون قبل أن يقدمون على الطلاق وعلى مثل هذه الأمور قبل الإقدام على علاقة زواج جديدة وقد ينتهي بهم المآل بالتالي إلى أوضاع أكثر سوءا مما كانوا عليه في الزواج السابق وتستمر المعاناة إلى حيث لا نهاية.
زوج الأم يواجه تحدي كسب الأبناء وملء فراغ الأب الغائب
أكدت حليمة عبدالرحمن حسن، أستاذة في تربية الأطفال أن إقامة علاقة زواج جديدة بعد الطلاق مجازفة خطيرة من ناحية الزوج، لأن كثيراً من الرجال يجدون صعوبة في التعامل مع أبناء زوجته الجديدة ويعود السبب لافتقاده السلطة المطلوبة وخاصة عند مواجهة مقاومة من قبل الأبناء مما يخلف في العادة شعورا بالإحباط والغربة لدى زوج الأم داخل بيته.
ورأت حليمة أن تشجيع أبناء الزوجة عن طريق زوج الأم على التحدث عن آبائهم والإعراب عن مشاعرهم في مختلف المواقف بمجرد رغبة أبناء الزوجة في التحدث مع زوج الأم يعني أن هناك علاقة حقيقية قد نشأت بينهم وان الحوار وحده يمكن أن يحدث فارقا كبيرا في العلاقة.
وقالت انه عندما ينجح زوج الأم في منح أبناء زوجته الحب ويثبت لهم انه يهتم بأمرهم، بدون أن يقتحم حياتهم سوف يشرع في بناء جسور ايجابية بينه وبينهم حيث إن صعوبة العثور على طرق أكثر فاعلية للمضي قدما بعد الطلاق تكمن بالنسبة للأب إلى حد ما في الافتراض السائد بأن الأب هو دائما سبب تمزق الأسرة وضياعها وتعرضها للشتات.
وهذا الاعتقاد يجعل الجميع يتخذون موقفا دفاعيا ومتخوفا من الأب وأكثر احتواء وحماية للأم وأبنائها، فالأم وأبناؤها بحاجة إلى كل الرعاية بالقطع ولكن هذا لا يعني أن كل طلاق أو انفصال بين زوجين تكون أسبابه من خيانة الزوج أو سوء معاملته لزوجته أو إهماله لها، فكثير من النساء نتيجة الأخطاء وعدم الاكتراث بالزوج يشعرن بالعزلة والانسلاخ من ذات النفس ويفتقدن الشعور بالحياة وأصبحن يحملن أنفسهن على النهوض من الفراش في الصباح.
واعتبرت أنه في الوقت الذي يسعى فيه الرجل بكل جهده لإعادة بناء حياته يجد نفسه فجأة مجبرا على اتخاذ إجراءات للبحث عن مكان آخر ليعيش فيه في الوقت الذي يجب أن يحافظ به على عمله ويسعى للوفاء بكل الالتزامات المالية وشغل الساعات التي يقضيها وحيدا، وان هذه الإجراءات والطرق سوف تكبل الرجل بالكثير.
ويقع الكثير من الرجال نتيجة ذلك فريسة الضغوط والأرق والتعب والإحباط على مدى سنوات بعد الانفصال والطلاق من الزوجة، بل أن بعض الرجال لا ينجحون في تخطي هذه الصدمة أبدا بل يشعرون أن الأبناء ينظرون لهم نظرة خداع وهنا الطامة الكبرى حين يعتقد الأبناء أن آباءهم خدعوهم وابتعدوا عنهم، فلذلك نجد أن ديننا الحنيف أباح لنا الكثير من الأمور وعلمنا أن أبغض الحلال عند الله الطلاق فيجب على الرجال أن يتريثوا على زوجاتهم وان لا يتسرعوا في الطلاق لأن الكلمة سهلة على اللسان ولكن الأمر أعظم من كلمة خرجت وتهدمت من خلالها الأسر وتفرق الأبناء.
زوج الأم
اعتبرت سعيدة ليث سعيد، ربة منزل: أن كثيراً من الرجال ينتابهم شعور بالإحباط بعد الطلاق واليأس من بناء حياة أخرى جديدة، وان الاضطلاع بدور زوج الأم يكون أصعب كثيرا من الاضطلاع بدور الأب الطبيعي.
ورأت أن هذا الدور يتطلب قدرا اكبر من الصبر والحساسية بالرغم من أن العديد من الرجال يقدمون على إقامة علاقات جديدة بعد انهيار علاقتهم الأولى، وبالرغم من أنهم يقدمون على علاقة زواج جديدة بحماس لا يوصف لكن ليس هناك أي ضمان لنجاحها، في الوقت الذي قد تنجح فيه الأسرة أو الزوجة الجديدة في انتشال الرجل من وحدته القاتلة وتجربته الأولى القاسية فإن زوج الأم يمكن أن يعيش تجربة قاسية ومريرة كما أن نسبة نجاح زوج الأم تزداد كثيرا في تجربته الجديدة الثانية عندما يكون أبناء الزوجة في سن الطفولة.
وقالت إن زوج الأم لا يسعى لإقامة علاقة متوترة مع أبناء الزوجة وخصوصا إذا كانوا في سن قارب على المراهقة، فليس من مصلحته فعل ذلك ولكن هذا ما يحصل فعلا في الواقع لبعض الحالات لأن المهمة ستبدو بالغة المشقة والقسوة على زوج الأم عندما يدرك انه يسعى للعناية بأبناء مصممين على النيل منه لأنه زوج أم، مما يدفع زوج الأم من الانسحاب.
عبدالرحمن الوهيبي

