عندما يستغيث أطفالنا طلبا للنجدة على طريقتهم الخاصة، وعندما نضطر لاصطحابهم إلى الأطباء النفسيين في محاولة لفهم ما يمرون به، وعندما يرمي أطفالنا الصغار قنبلة بقولهم «ما هذه الحياة المملة» بالرغم من توفر جميع الإمكانيات لهم ؟ كما نعتقد، تدق نواقيس الخطر كلها دفعة واحدة. فالتوترات التي يعاني منها أبناؤنا بلغت حداً يصعب وصفه بسبب الحياة العصرية وتداعياتها.

فذلك الولد الصغير الذي لا يهنأ بالنوم ليلا، ولا بالتركيز في الفصل نهارا، وتراوده أفكار سلبية بإمكانية موت أمه في أية لحظة، أو إمكانية قيام أحدهم باختطافها، ويضطر في نهاية المطاف إلى تناول أدوية مهدئة تعيد قليلا من راحة البال الذي فقده، سببه انشغال أبيه الدائم في العمل، وتوفر حضن الأم له فقط وتعلقه به لدرجة خوفه من فقدانه.

أما تلك الفتاة الصغيرة التي تعمل أمها مدرسة في ذات المدرسة التي تدرس بها، فإنها تطلب من والدتها تقبيلها كلما همت بالنزول إلى الطابق السفلي، خوفا من عدم رؤيتها لها مجددا كما أفصحت لها، فقد تموت وتتركها وحيدة في هذا العالم.

وللأم التي تقضي جل وقتها بشكل يومي تقريبا في المدرسة قصة مشابهة. فابنتها متعلقة بها لدرجة رفضها الذهاب إلى المدرسة في كثير من الأحيان، ولدرجة اضطرار الأم إلى حضور الدوام المدرسي، مصطحبة معها مؤنها من فطور في حقيبة خاصة معدة لهذا الغرض، والجلوس على كرسي أمام فصل ابنتها.

فقد اعتادت على هذا النمط من الحياة خاصة وأنها اختبرت ذات الحالة مع ابنتها الأكبر بأعوام معدودة، لدرجة أن الفتاة اضطرت إلى إعادة الدراسة في إحدى المراحل من شدة الأزمة التي كانت تمر بها.

إن الضغوط التي تمارس على الموظفين في أماكن عملهم تمتد تداعياتها إلى خارج أسوار المؤسسات التي يعملون بها بأشواط عديدة. فمنذ متى كانت العائلة الإماراتية تضطر لأن تزور الأطباء النفسيين لفهم ما يعتريها من لخبطة في المشاعر؟ لقد أصبح أطفالنا اليوم ومنذ طفولتهم يعانون من توترات نفسية شديدة، بعد أن كانوا بالأمس يقفزون فرحاً ويلعبون دون أن تعرف الخيالات الداكنة طريقا إلى عقولهم البريئة.

وأصبحت المشاعر لديهم تسيل على بعضها وتختلط بعد أن كانت في السابق واضحة الحدود والمعالم. فغياب الأب عن المشاركة الاجتماعية في حياة أطفاله أصبح يشكل هاجسا لديهم ويولد خوفا وقلقا من المستقبل وأصبحت جميع مشاعرهم توجه متضخمة نحو الأم التي يخافون فقدانها هي الأخرى.

قد تكون الأزمة المالية التي يمر العالم بها الآن فرصة لأن نعيد حساباتنا ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، بل الاجتماعي أيضا. إن مجتمعنا بحاجة إلى شعار من الشعب ذاته بإمكانه إعادة الحياة إلى الجانب الاجتماعي الذي عانى طويلا من الإهمال. شعار يحمل الكثير من الحب للجميع، ويتفهم المشاعر التي تعتري بني البشر ويدركها، يمارس عمله بشكل رسمي، ويصبح أيقونة للمشاعر الخيرة.

ربما تكون الفرصة مواتية جدا الآن للتركيز والانشغال على هذا الجانب، خاصة وأن هنالك غالبية من الناس ؟ أطفالا وبالغين - مطحونو الروح، بسبب الضغط الذي يعانون منه في أماكن عملهم وتداعياته، وبسبب الأزمة الاقتصادية وتداعياتها التي رمت بظلال قاتمة على أرواحهم. شعبنا بحاجة للفرح، وبحاجة لمن ينتشله من الوضع النفسي المتردي الذي يعيشه. ورب ضارة نافعة.

laila_badri@yahoo.com