على متن سفينته «كيفان» حملنا الغواص فرج بن بطي المحيربي رئيس جمعية الإمارات للغوص في رحلة نحو الماضي نسبر أغواره ونكشف النقاب عن ذكرياته بين البحر والمحار واللؤلؤ.. تلك المهنة التي عايشها على مدى 50 عاما قضاها في البحث عن اللؤلؤ في مغاصات الدولة.

حملتنا الرحلة برفقة فتحي محمد مشرف متحف دلما نحو مغاص أم الصلصل الذي تبعد 20 ميلا بحريا عن جزيرة دلما ويضم مجموعة من مواقع الغوص تصل إلى 30 هيراً. كان فرج المحيربى وصديقة الغواص المعروف محمد بن سعيد بن حرمش المنصوري صاحب السفينة الرديم في رحلة غوص بحثاً عن اللؤلؤ في المغاصات التي تقع حول جزيرة دلما استمرت أكثر من أسبوعين بهدف استكشاف المغاصات القديمة وتوثيقها باعتبارها جزءاً هاماً من تراث الأجداد ينبغي إحياؤه والمحافظة عليه كما تهدف إلى التأكد من استمرار المغاصات في عطائها من المحار الذي يستخرج منه اللؤلؤ.. كما تعيد الرحلة للأذهان رسالة للجيل الجديد لممارسة ثقافة الغوص حتى لا يندثر هذا الإرث الثقافي في غفلة من الزمن حيث تعتبر مهنة الغوص من العادات والتقاليد العريقة لأبناء الإمارات منذ القدم.

يقول المحيربي إنه بدأ حياته في الغوص وعمره 10 سنوات من على الساحل «حيارى» وعندما بلغ 12 عاماً ذهب في رحلات الغوص الرئيسية «مد» والتي تبدأ في فصل القيض في شهر ابريل مع عمه محمد بن سعيد المحيربي إلى هيارات جزيرة دلما وما حولها، وأضاف انه فضل مهنة الغوص على العمل في الشركات التي تعمل في استخراج النفط في حين يتهافت الناس للعمل بها لامتيازاتها المتعددة. ويذكر المحيربي أنه نال خبرة من عمه في معرفة مواقع المغاصات المعروفة منذ القدم ومقدرته في تذكر أماكن المحار وتمييزها والوصول إليها في أي لحظة وباستطاعته أن يحدد نوع القوع الذي يصلح للغوص من خلال موقعه وبعده على أعماق قد تمتد من 10 إلى 40 مترا.. ويقول عن تجربته: كنا قديما نستعين في رحلة الغوص ببعض الغواصين من مختلف الإمارات يصل عددهم أحيانا إلى 100 شخص في المركب من غواصين والسيوب بإشراف الدليل النوخذة ويكون لديهم خبرة واسعة في قطف المحار ومعرفة مقاسات المحار الكبيرة التي تقطف والصغيرة التي تترك للنمو للموسم القادم.. ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن المحارة إذا لم تقطف وتركت لمدة أربع سنوات متتالية تموت وعندما تقطف تنمو من جديد مثلها مثل النباتات وتعتمد على المياه الحلوة في عمق البحر وتستمد غذاءها من الطفيليات الدقيقة ولها غشاء ناعم يمنع دخول مياه البحر المالحة إلى جوفها.

التجهيز لرحلة الغوص

ولا تخلو أجهزة الغوص القديمة من طابع البساطة كما يقول المحيربي مثل استخدام الفطام والحصا والحبل والسيب وهو مساعد الغواص الذي يسحب الغواص من أعماق البحر إلى الخارج أما اليوم فقد أصبح الغوص يعتمد على التكنولوجيا باستخدام أجهزة تتوفر فيها وسائل الأمن والسلامة وكشف أعماق البحار.

وقال إن سفينته كيفان مجهزة بأحدث معدات الغوص الحديثة منها جهاز تعبئة سلندرات الغاز ومخزون من الديزل على متن السفينة يكفي 20 يوما ومكائن لتوليد الكهرباء ورادارات وتكييف وجهاز لتحديد مواقع الهيرات، وإن كافة مواقع الهيرات مخزنة على جهاز اذس بواسطة والده من قبل 20 عاما.

يؤمن الغواص المحيربي أن الرزق من الله وأنه قدّر له أن رزقه من البحر فهو يمكث في قاع البحر لجلب المحار بحثا عن اللؤلؤ وربما يحالف الحظ الغواص.. والغواص الماهر يستطيع المكوث والبقاء تحت الماء من دقيقة إلى دقيقتين بدون أكسجين. ويؤكد أن البحر يتقلب بسبب الهواء الشديد وفي حالة الكوارث والعواصف.. وتلجأ السفن في مثل هذه الحالة إلى جزيرة دلما للاحتماء بشاطئها وفي حالة صفاء الجو يبدأ الغوص في الساعات الأولى من الفجر وحتى الظهر ثم يبدآ فلق محصول المحار حتى العصر لاستخراج اللؤلؤ.

جهات دولية

يقول مروان وهو ابن فرج المحيربي إن جهات عديدة متخصصة في البحار وجهات صحفية زارت دلما والتقت مع الوالد رئيس جمعية الإمارات للغوص وقد أعجبوا بجهود الجمعية ودورها الكبير في استكشاف المغاصات والمحافظة عليها ومن هذه الجهات زارتنا بنت عالم البحار الفرنسي جاك كوستو الفرنسي الجنسية صاحب السفينة كلبسو.

وقامت ابنة جاك بتسجيل فيلم وثائقي عن الغوص كما قامت قناة ناشونال البريطانية المهتمة بالطبيعة والجغرافيا بتغطية إعلامية لنشاط الجمعية إضافة إلى قيام بعض الصحف والمجلات العالمية بنشر موضوعات مهمة تناولت جمعية الإمارات للغواصين والتي تعتبر جمعية فعالة في الاتحاد العالمي للغواصين.

حيث انضمت جمعية الإمارات للغوص إلى الاتحاد كعضو بعد تأسيسها في عام 1996 بتوجيهات من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وأخيه المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم طيب الله ثراه برئاسة فرج بطي المحيربي وانضمامها إلى الاتحاد الدولي للغوص ومقرها إمارة دبي.

ثروة المحار

ومن ناحيته أكد محمد بن سعيد بن حرمش المنصوري غواص محترف امتهن مهنة الغوص منذ الصغر كهاوٍ ثم محترف 30 عاما في البحر ويكون سعيداً عندما يقضي يومه على متن سفينته الرديم المجهزة بأحدث أجهزة الغوص الحديثة.

وأوضح المنصوري أن استمرار الغوص يزيد من ثروة المحار وبالتالي يكون الإنتاج من اللؤلؤ أفضل مشيرا إلى أن الغوص جزء من تراث الإمارات وبين أن مواقع المغاصات تمتد من جزيرة صير بن نعير إلى هيارات جزيرة دلما وتبلغ هذه المساحة 200 ميل بحري تقريبا ومنها هيارات القفاي وأم الصلصل ومكاسب..

وقال: إن العمل في البحر شاق وله مخاطر جمة لكن نحن حرصنا على عدم توقف الغوص بمجهودنا الشخصي حفاظا على ثروة البلاد من اللؤلؤ وان رزقنا من هذا البحر.. فإذا أوقفنا عملية قطف المحار يتوقف نمو المحار وهناك حوالي 20 قوعا غطتها الرمال بسبب الإهمال وعدم الغوص فيها، وهذه هي معيشة معظم الناس قبل البترول إما البحر أو البر..

وأضاف: رغم صعوبة هذه المهنة فنحن نحرص على تعليمها لأبنائنا حتى نحافظ على امتداد عاداتنا القديمة وتواصلها مع الجيل الجديد وللتعرف على صنعة أجدادهم الأولين.. وإن البحر علمنا الصبر والجلد ورباطة الجأش.

وكشف المنصوري أن الغوص توقف من 1948 والناس دخلوا العمل بقطاع البترول وارتاحوا من التعب ومن قساوة البحر.

معرض لتراث الغوص

يقول فرج المحيربي إن سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية ورئيسة الاتحاد النسائي وجهت بضرورة مشاركتنا في احتفالات مؤسسة التنمية الأسرية بالعيد الوطني في جزيرة دلما بمعرض لأدوات الغوص وعلى ضوء هذه التوجيهات السديدة سنعمل على إعداد معرض شامل عن الغوص وأدوات الغوص للمشاركة في احتفالات أهالي دلما بالعيد الوطني والتي تبدأ في 26 نوفمبر الجاري.

وفي السياق ذاته قال فتحي محمد مشرف متحف دلما إن الشهرة التي اكتسبتها دلما باعتبارها مركزا للغوص بحثا عن اللؤلؤ كانت منذ القرن التاسع عشر حيث تعتبر من أهم مراكز إنتاج اللؤلؤ في المنطقة كما أنها ملجأ للسفن التي تواجه الأعاصير في عرض البحر.

ووجه فرج بطي المحيربي الشكر الجزيل إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله على استمرار مسيرة التراث الوطني الغالي على قلوبنا والدعم اللامحدود لتمكيننا من متابعة مهنة والآباء الأجداد.

عبدالله محمود