بلغة مشبعة بالحب والحزن، والممكن والمستحيل، وجرعة من الأمل، متمازجة بين المطلق واللامحدود شعريا، القريبة من الإعجاز لغويا، المتربعة على المساحات الممكنة واللاممكنة فنيا، أدهش الشاعر حسان عزت بأمسيته الشعرية الغنائية الموسيقية التي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام في «بيت الشعر» في الشارقة حضوره المتربصين بإبداعه، المدركين لأبجدياته.
ويعد «بيت الشعر» في الشارقة من المنابر الكبيرة التي تسعى إلى استقطاب إبداعات الشعراء لتكون المنبر الأثير الذي تطل منه أعذب الأمسيات الأدبية وأرقى الإبداعات الفنية. وفي الأمسية التي كان ضيفها الشاعر حسان عزت استطاع الشاعر تحويل قصيدته «ترنيمة نقار الخشب» إلى مشهد درامي يتبادل حواره مع الشاعرة فاتن الحمودي على وقع عزف منخفض يتسلل لأفئدة الحضور بهدوء.
يبدأ حسان: لا تنقري في الروح يا صبية
لا تنقري في الروح........
يقولون: كان حارس الغابة البعيدة يعلق قنديله على الأشجار، ويصلي في ليالي العتمة والريح....تعالي ... تعالي....
فاتن: ويقولون أنه كان يبرّحُ به الشوقُ، والوجدُ يضنيه، كان يشعل في كوخه العود والندّ، ويتماهى في حضرة الحبيب على ترتيل عبد الباسط وأناشيد الميلاد، وعلى وقع القياثر يروحُ يرقص رقصه الكيانيّ، فيضرب الأرض بقدميه حتى تهتزّ من تحته الأرض فتتطاول وتتطاول، ويرجّ بيديه السماء فتنخفض وتدنو حتى تعانق الأرض، ثم يروح يصلي رقصا، ويرقص دمعاً وشجواً، حتى ينزل المطر سبعة أيام، فيأخذه الحال، فلا يعرف الليل من النهار، ويشفّ حتى يصبح مثل رقاق المزاهرٍ، ويتهاوى سكران مثل ورق الخريف الساقط.
حسان: لا تنقري في الروح يا صبية
عيناك نقار الخشب
تنقران في الجسد والخلايا
وأنا ملوّعُ ومذعور
شجري مستفردُ في العراء
وأفقي مسيحٌ بردان
نجومي متعتعة بالغصص
وأنت تحسبينها عناقيد
سمائي حبالٌ بالية
وأيامي متخمةٌ بالرمال
وأنت تطلقين أسراب البجع
وأنت تستفزين الهواء
وترسلين البحيرات إلى ما وراء الأفق
لا تنقري في الروح يا صبية....
تتزاحم في تراتيل هذا العاشق الصور السحرية، يطوع لغته في خدمتها، يؤديها بمحاكاة إحداثيات وجودها الأول، يطرق صامتا للحظات، وكأنه يستحضر أرواح أبطالها ليشاركوه مع الحضور حزنه وفرحه مرة أخرى، تنتظر محاورته فاتن الحمودي أن يبدأ، يبتدئ............ ينتهي، تلتفت حولك، تتساءل هل استخدم هذا الساحر قدراته لينومني شعريا!؟، هل توحدتُّ في أبطال ملحمته...؟ لتكتشف بعد أن يفصح الحضور عن آرائهم أنك لم تكن الوحيد الذي اجتاحته ذبذبات التنويم الشعري، وسيطرت عليه تراتيل الشاعر.
يتسرب إليك إيمانه في المستقبل، وأحلامه بأن الأفضل ما زال في رحم الأيام المقبلة، برمزية تطل بين ثنايا تراتيله تؤمن بأن الكلمة هي البدء، وأنها ما زالت أمضى من سلاح الترهيب المسلط كسيف على رؤوس المخلصين.
ابن الشام وغوطتها المغترب منذ لحظات وعيه الأول، المؤمن بأن الغيوم السوداء لا بد وأن تجليها أمطار غزيرة، حكى لحضوره قصته مع دمشق من قصيدته «الأبواب» فقال:
من اقتطعك من دمي؟
من أطلق في كل خلية منك عطراَ وماء؟
يا _حواري_ على عزّها
تُعرشُ على عزّها
تُعرّش فوق البيوت
يا زهر الكُبّاد بفوحه ... يا قمراً لا يموت
ويرقُصً في ليل أحلى الصبايا
السيوف التي مانعتنا طويلا تعود إلى أصلها
والزمان على صبوة العزِّ لا يستحيل
إنهم في الشبابيك ... خلف الكوى
يرجعون الزمان إليهم
والزمن الرّحب على عهده
واسعٌ للجميع
وإذا ما اقتربنا أكثر من شاعرنا فنجدنا أمام روح شفافة قريبة وبعيدة في آن واحد تسبر الآفاق بحثا عن الجمال، قال في بداية أمسيته:
وسألت أين رأيت وجهك ليس وجهك بالجديد
وأجبتني وأنا رأيتك، أين ؟ أين ؟ ولم تزيد
وعرفت بعد ذهابك القاسي إلى الركن البعيد
أني رأيتك قبل خلق الخلق في سفر الوجود
أما رسالته فتتمثل في تحويل تاريخنا وحياتنا ومفردات عذابنا لأنشودة تدفعنا للأمل وللتغير وتكون شاهد عيان للأجيال القادمة لتستفيد منها، وحين سألناه: كيف تجرؤ على تحويل قصائدك لمسرحية، أو لملحمة أو لترتيلة عشق وأغنية مؤلمة ؟ أجاب: عندما نستطيع تحويل أرشيف حياتنا وآلامنا بكل تفاصيلها إلى أغنيات نكون وقتها قد اقتربنا من الطريق الصحيحس.
محمد زاهر
