منذ أربعة أعوام تقريباً.. عزله مرضه عن العالم الخارجي إثر إصابته بجلطة مخية تركت آثارها على النطق والحركة، يعيش وحيدا في شقته، تعاوده ابنته «أمل» التي تقيم في نفس البناية لتوفر له متطلباته، ولا يستطيع الخروج حاليا حتى إلى جامع مصطفي محمود الشهير، ومشفاه الخيري اللذين أسسهما في شارع جامعة الدول العربية بضاحية المهندسين ويقعان على بعد أمتار قليلة من مسكنه.

لم يعد يذكره أحد، لأنه أيضاً فقد الذاكرة ولم يعد يذكر أحداً! لقد اختفى لأنه اختار الموت في الحياة. توارى عن الأنظار، لأن ذهنه الجبار رفض استيعاب ما يحدث بالساحة من نفاق ومهازل وسخافات.

الواضح الآن أنه في طريقه إلى الغيبوبة، وهذه الحالة يعانيها منذ عامين تقريبا، قبل ذلك كان يتحدث بشكل طبيعي، لكنه لم يكن يخرج أو يقابل الناس. أجريت له ثلاث عمليات جراحية في المخ بعد أن تعرض لنزيف بين الجمجمة والجزء الخارجي.

كان يحمد الله أن النزيف لم يتجاوز هذه المنطقة فلم يؤثر عليه في البداية، أجرى له تلاميذه في مصر العملية الأولى وأنقذوه من هذا النزيف الذي عاد ثانية فسافر إلى السعودية ليخضع لعملية ثانية، ثم عملية ثالثة في لندن.

دكتور مصطفى محمود أو مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ من الأشراف (سلالة النبي صلى الله عليه وسلم) وينتهي نسبه إلى علي زين العابدين، وهو ما تثبته شهادة نسب معلقة على جدران منزله المتواضع الأثاث، جاء إلى الحياة مع توأمه بعد سبعة شهور فقط من الحمل في 27-12-1921 في مدينة طنطا إحدى مدن الدلتا، شمال مصر.

بدأ حياته متفوقاً في الدراسة إلى أن ضربه مدرس اللغة العربية فاكتأب ورفض أن يذهب إلى المدرسة، مما أدى إلى تعثره في الدراسة لمدة أربعة أعوام، وما ان رحل ذلك المدرس عن مدرسته، حتى عاد مصطفى إليها وبدأت تظهر موهبته وتفوقه وحبه للعلم!

وفي منزل والده أنشأ معملا صغيرا وأخذ يصنع الصابون والمبيدات الحشرية التي يقتل بها الصراصير ثم يقوم بتشريحها. وفيما بعد حين التحق بكلية الطب أُشتِهر ب«المشرحجي» نظرا لوقوفه طوال اليوم أمام أجساد الموتى طارحا تساؤلات حول صاحب هذا الجسد والرهبة المحيطة بالموت.

تخرج في كلية الطب متفوقاً ورغم احترافه الطب، إلا أنه كان نابغا في الأدب، مما دفعه لاحتراف الكتابة منذ كان طالبا بكلية الطب، وكانت تنشر له القصص القصيرة في مجلة «روز اليوسف» التي عمل بها لفترة بعد تخرجه، كانت هذه المجلة حينها تعج بالكتاب أمثال إحسان عبد القدوس وصلاح جاهين وغيرهم. اختص نفسه بحجرة في مسجده يقيم فيها، مكث مفكرا بتلك الغرفة خمسة وعشرين عاما يشيد المسجد الذي اشترى أرضه من عائد بيع أول كتبه «المستحيل».

ظل دائما زاهدا في الحياة، يعتبرها رحلة سفر مهما طالت، فهي ثوان في عمر الزمن ولا أحد يستطيع أن يدعي أنه مقيم فيها، ولذا لا يلزمنا منها إلا الضروريات. حينما سئل عن نشاطه الآن أجاب: «قلّ نشاطي وبدأت أهمد».. ثم ضحك وهو يضيف: «القراءة عندي أكثر من الكتابة، والتفكير أكثر من العمل، وما زلت أستلهم قوتي وإبداعي من حب الناس».

وعلى الرغم من التحولات من الشك إلى اليقين.. ومن الإيمان إلى الزهد، ومن اليسار إلى اليمين، ومن الاشتراكية إلى الرأسمالية.. كان هناك دوما مصطفى محمود بملامح ثابتة، وجاء بعد ذلك ليعلن رفضه كل تلك النظم والتحولات.

مؤكدا شيئا واحدا هو إيمانه بالله الواحد الأحد، وبالقوانين التي وضعها، وأن حياته هي رحلة مختصرة للبحث عن الحق. وفي ذلك قال عنه الكاتب والشاعر الراحل كامل الشناوي ذات يوم بجريدة الجمهورية «إذا كان مصطفى محمود ألحد فهو يلحد على سجادة».

أطل علينا من خلال الشاشة الصغيرة ببرنامجه الشهير «العلم والإيمان»، وحينما جاءته الفكرة كان تنفيذها على أرض الواقع غاية في الصعوبة لأسباب مادية، لذا بدأ اليأس يتسرب إلى نفسه حتى قابل رجل أعمال شهيرا فحدثه في أمر البرنامج، فإذا به يخرج دفتر الشيكات، ودون أن يحدد المبلغ يوقع على بياض، قائلا له: «لن أناقشك في النفقات، ولكن المهم خروج هذا العمل العلمي والديني إلى النور».

وإذا كان الدكتور محمود اتجه في البداية إلى العلم فقط، فلأنه تصور أن العلم يمكن أن يجيب عن كل شيء، وأن العالم المحسوس يمكن أن يفسر كل شيء، وعندما خاب ظنه مع العلم، أخذ يبحث في الأديان بدءا من الديانات الأرضية الهندية والزرادشتية والبوذية، ثم في الأديان السماوية، ولم يجد في النهاية سوى القرآن الكريم الذي يضم بين دفتيه تفسير كل شيء.

كثيرون ممن اهتموا بهذا الرجل وببرنامجه «العلم والإيمان». الذي ترك كبير الأثر في نفوس الجميع، يستغربون الاختفاء الطويل والتعتيم الإعلامي حول هذا العالم الجليل، حتى أن الكثيرين الذين كانوا يتابعون برنامجه التلفزيوني الشهير «العلم والإيمان» يظنون أنه رحل عن الدنيا منذ سنوات.

مجموعة من القراء