لغة أي أمة من الأمم هي رمز هويتها وخازنة تراثها، وعلى اللغة يتوقف استمرار الحضارات وازدهارها، وبها تتحدد مكانة الشعوب وتبرز قوة الأمم. وللغة العربية مكانة راسخة وقيمة بارزة فهي اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، واللغة التي لا تباريها لغة في جمالياتها أو أوجه إعجازها.
ومن هذا المنطلق تجيء ندوة «اللغة العربية وتحديات العصر» التي نظمتها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع مكتب التربية العربي لدول الخليج استشعاراً للتحديات التي تحيط بلغتنا وتحتاج منا جميعا المواجهة العملية الواعية المدركة لحجم الواجبات وضخامة المسؤوليات لخدمة اللغة العربية بما تستحقه من عمل ووعي وجهد وإخلاص.
واكد معالي الدكتور حنيف حسن أن الدور الذي قامت به الجامعات ومجامع اللغة العربية والجمعيات المتخصصة كبير، غير انه اعتبرها مبادرات فردية وتوصيات تقليدية ومألوفة تصدر عن المؤتمرات والملتقيات وتصاحبها دعوات تخرج بين الحين والآخر مطالبة بالحفاظ على الهوية والوجود وعلى لغة القرآن.
وأضاف معاليه أننا نقف اليوم أمام تحديات قوية تدعو إلى أخذ زمام المبادرة وهو ما ترجمه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة عندما أعطى توجيهاته بتنفيذ كل ما هو مناسب للحفاظ على لغتنا العربية، واصفاً سموه إياها بوعاء هويتنا، وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في توجيهاته الدائمة لوزارة التربية والتعليم بتعزيز مناهج اللغة العربية في المدارس وتنشئة الأبناء على الأسس الصحيحة وتمكينهم من لغتهم ومهاراتها حفاظا على الهوية.
تغييب اللغة
وتساءل الدكتور علي القرني مدير مكتب التربية العربي لدول الخليج من المسؤول عن غياب أو تغييب العربية عن مكانتها الحقيقية بين لغات الأرض وهي أسماها وأرقاها؟ وهل اللغة مسؤولة عن ذلك أم نحن الذين لا نعرف حتى الآن كيف نفجر طاقاتها ونستنبط جمالياتها حتى على مقاعد الدراسة التي اصبح فيها علم النحو والصرف كابوسا يبحث الطلبة باستمرار عن تفاديه او التحايل عليه.
وهل هي مسؤولية اللغة ان يغيب جمالها فلا نجد في مناهجها الا القليل من مباهجها بينما يغزوها الغث المتوعر ويهينها المعلم الجاهل في أمرها والمتعلم النافر من بحرها، مؤكدا ان البعض يرى ان تأخر عملية تعريب العلوم المعاصرة في الجامعات يعود إلى غياب القرار السياسي الذي يجعل العربية تقف وحيدة مكشوفة أمام غزو اللغات الأخرى القادمة على سروج الابتكارات العلمية المتلاحقة.
وتحدثت الدكتورة لطيفة النجار الأستاذ المشارك بقسم اللغة العربية في جامعة الإمارات في ورقة عمل بعنوان «اللغة العربية بين ثبات الهوية وإشكالات العولمة» عن التحديات العظيمة والصعوبات التي تواجه اللغة الأم، فإلى جانب تنافس اللغات الأجنبية التي انتشرت بل إنها تواجه ما هو أصعب من ذلك.
فهي تعاني من زهد أهلها بها، وانصرافهم عنها، وعدم التفاتهم إليها، مشيرة إلى حاجة اللغة إلى تكاتف الجهود العلمية والمادية والبشرية، لإعادة الاعتبار لها، وللنهوض بها بين أهلها أولا، وفي جموع المسلمين ثانيا، وفي العالم كله ثالثا.
وقالت انها تحاول إلقاء الضوء على اللغة العربية في بعدين مهمين، يتجلى الأول في ارتباطها بالهوية، أو ارتباط الهوية بها على وجه الدقة، ويتجلى الثاني في واقع العربية في ظل النظام العالمي الجديد، وتداعيات العولمة بكل أشكالها وتجلياتها.
وتساءل للدكتور عبده الراجحي استاذ العلوم اللغوية في جامعة الإسكندرية عن إمكانية وجود وسيلة ما للمزج بين منجزات العصر في المناهج والطرق، ومواريث تعليم العربية حيث ان المشكلة تكمن في الاستناد إلى مناهج وطرق «سابقة التجهيز» دون الارتكان الأقوى إلى «خصوصية» اللغة العربية وبيئاتها الثقافية والاجتماعية.
مناقشات عقيمة
وتناول الدكتور حسام أمين الخطيب الخبير الثقافي والمشرف على مركز الترجمة في المجلس الوطني بدولة قطر مسألة تعريب مناهج العلوم تناولاً موضوعياً وعملياً واقعياً مبتعدا عن المناقشات العقيمة التي تجاذبتها التيارات العربية المختلفة حول مسألة: «تصلح اللغة العربية أم لا تصلح؟».
كما أنها تحاول احترام وجهة نظر الجيل العربي الجديد الذي سيكون له القول الفصل في قضية «تعريب مناهج العلوم» ومدى جدوى هذا التعريب ونجاعته في خلق ثقافة علمية عربية والإسهام في تطورات العلم الحديث وليس الاكتفاء باللهاث لمتابعة الركب العالمي المعاصر.
وفي مجال «تعريب مناهج العلوم» قال انه يلاحظ أمراً مخيفاً، يتمثل في أن الدراسات النظرية والبيانات المؤسسية يقف معظمها موقفاً ايجابياً من عملية التعريب. وأضاف: تعددت المؤتمرات والندوات التي تهدف إلى تعريب العلوم وتسهيل تدريس العلوم باللغة العربية إلا أن الواقع العملي يفيد بأن التطورات الأخيرة.
لا سيما في معظم بلدان الخليج العربي، تكاد تكون قد حسمت الأمر باتجاه تدريس العلوم باللغة الانجليزيه، ليس على مستوى التخصص الجامعي حصراً ولكن أحياناً على المستويات المبكرة في التعليم الثانوي والمتوسط وقد شاركت في عشرات المؤتمرات المتعلقة بهذا الشأن.
وانتهيت إلى قناعة بأن اللغة العربية تحتاج إلى خدمة علمية وتقنية وتربوية ومرونة تعليمية، وعندها يمكن أن يتقبلها الجيل الناشئ، أما التأكيدات حول صلاحية اللغة العربية لتدريس العلوم فهي في واد، ويظل الواقع العملي للصعوبات التي تواجه الناشئة في قاعات الدرس وكذلك في مراكز البحوث العلمية في وادٍ آخر.
لذلك يرى الدكتور الخطيب أن اللجوء إلى استخدام الآلة لترجمة العلوم، والمرونة في تعليم اللغة العربية للناشئة هما المخرج الوحيد المتبقي لنا للانتقال إلى خطوة جديدة لصالح اللغة العربية في السباق الحاد بين لغة القرآن الكريم والتراث العظيم من جهة واللغة الانجليزية المهيمنة من جهة أخرى، ولنقلها بصراحة أنه لم يعد أمامنا سوى هذا الاختيار.
وتطرق الدكتور سعد بن طفله العجمي استاذ اللغويات في جامعة الكويت في ورقته البحثية العربيزي «الكتابة العربية باللاتينية» إلى ظاهرة جديدة تجتاح اللغة العربية في نظام كتابتها، وهي ظاهرة العربيزي ( Arab - E-Z ) والكلمة منحوتة من العربي والانجليزي، وهي تعني الخلط بين اللغة العربية في الكلام أو الكتابة كظاهرة يمارسها الجيل الجديد.
وأشار إلى أن ظاهرة العربيزي في الكتابة تفشت منذ ثورة الاتصالات الرقمية وذلك باستعمال الأحرف اللاتينية بدلاً من العربية في الرسائل الرقمية وأثناء الدردشة الالكترونية، مضيفاً أنه من الصعب قياس حجم الظاهرة في هذا الوقت، لكن المراقب لا يمكن أن يغفل تفشيها وانتشارها بين الجيل الجديد. وقدم في هذه المحاضرة نماذج لهذه اللغة كما يقدم قائمة بالأحرف اللاتينية التي يستعيض بها جيل العربيزي بدلاً من الأحرف العربية.
حوسبة اللغة العربية
وتناول الدكتور عدنان عيدان المتخصص في حوسبة اللغة العربية مدير شركة «أي تي أي» المتخصصة في برامج اللغة العربية والترجمة توفر إمكانيات كبيرة وطاقات هائلة في بناء العديد من أنظمة البرمجة الحاسوبية التي تعمل على نظام اللغة العربية فتيسر تعلمها ووصولها للطالب والمعلم والمتعلم الأجنبي والباحث والكاتب والأديب وغيرهم في مختلف مناحي الحياة، مستعرضاً ما يمكن عمله لخدمة لغتنا العربية وضمان استمراريتها ونموها وانتشارها عالمياً.
وفي ورقة مناهج اللغة العربية بمدارس الغد التي قدمتها كريمة المزروعي المعيدة في جامعة الامارات ركزت على اللغة وتدريسها وفق المعايير العالمية التي تم تعديل معاييرها لتلائم خصوصيات المجتمع العربي والإسلامي.
قضية وجود
معالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم اعتبر ما يواجه اللغة العربية من تحديات وما يحاصرها من إشكاليات هي قضية وجود تفرض على الجميع نوعا خاصا من المسؤولية في الحفاظ عليها وحمايتها في عالم تتسارع فيه اللغات وتتسابق فيه الشعوب من اجل تحقيق السيادة للغتها.
وقال إن المخاوف التي بدت ملامحها في عالمنا العربي من تعرض لغتنا الأم للاندثار باتت حقيقة وواقعا مؤلما، فما آلت إليه اللغة سواء على مستوى المجتمعات أو المدارس يدعو إلى تضافر الجهود والمبادرة نحو ابتكار وسائل حماية قوية بعيدا عن النظرة التشاؤمية التي تسيطر على البعض ممن يقول انه لا فائدة.
نورا الأمير


