لاتزال معاناة أم خميس «أرملة الفجيرة» وأبوعلي والمريض حسن محمد والوالد خلفان محمد عبيد اليماحي في قائمة ذوي الحاجات الإنسانية، وبكاؤهم مستمر على بقايا أوراق جرائد نشرت حاجاتهم ومعاناتهم من تجرع مرارة الحياة.

توقفت دموعهم وعمت على وجوههم الفرحة لمجرد اتصال بالمساعدة أو البحث في قضاياهم التي قرأها مئات الناس. تبقى كلمة «اتكفل» غرضاً لوجاهة إعلامية واعتصارا مؤقتا لخاطرة مؤلمة مرت في حياتهم، ربما يفسر هذا السلوك وكما أشار إليه - علماء النفس - بأنه نوع من التعاطف في ظل ظروف وقصص يومية مرهقة، وفي الوقت نفسه نوع من الصحوة الآنية على ذلك.

وفي الوقت ذاته تعمد وزارة الشؤون الاجتماعية في المرحلة المقبلة إلى تبني تنفيذ برنامج المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات بأنواعه في القطاعين الخاص والعام، وذلك لأهداف مختلفة تتعدى كونها عملاً خيرياً بل تعتبر استثماراً اجتماعياً ومساهمة مباشرة نحو المساعدة في بناء المجتمعات وتأهيلها للتطوير والتقدم مستقبلا أهمها بناء الإنسان.

من هنا يتبادر السؤال حول من يحاسب من يتخلى عن مسؤوليته الاجتماعية تجاه المحتاجين ومن استغاث طلبا للمساعدة. وهل هناك عقوبات تفرض على الذين يستهينون بهموم ومآسي الناس لأغراض شخصية؟. تقول أم خميس: زادت معاناتي ولا أجد وسيلة للخلاص من دوامة الحاجة، نشرت قصتي لأتعفف وليس للوقوف على الأبواب الموصدة لأتلمس المساعدة.

فيما أشار أبوعلي: توقفت دموعي واحتسبت الله في دعائي لكوني أصبحت جزءاً من قصص إنسانية يومية تعرض في صفحات الجرائد والمجلات وليس لها تأثير. أما المريض حسن محمد فأوضح بأنه ناشد ضمائر وقلوب الأصحاب الرحيمة والبيضاء بعد الله، إلا أنه وجدها فضولية وسوداء.

وكذلك نقل خلفان محمد عبيد اليماحي معاناته والدموع تنهمر من عينيه بعدما تعب من دق الأبواب لنشر معاناته وتوقفت الأيادي عن مد يد العون، مشيراً إلى انه متقاعد منذ أحد عشر عاماً، ولا يعمل في أي وظيفة حاليا ومنزله الذي يسكنه مهدد بالسقوط والانهيار في أية لحظة.

وأوضح بأنه يعاني ثالوث الحزن و المرض والديون ويعيل أسرة مكونة من 14 فردا، كما أنه مدين للبنك بمبلغ 50 ألف درهم ويخصم من معاش تقاعده المقدر بـ 8 آلاف درهم بعد زيادة الرواتب مبلغ 2000 درهم، لافتا إلى أن المتبقي لا يكفي لتغطية مصاريف الأسرة التي يحتضنها، والتكلفة التي يطلبها المقاول لاستكمال بناء بيته تقدر بـ 300 ألف درهم. راجيا من الله ومن ثم الأيادي البيضاء مساعدته في محنته وتفريج كربته بعدما تعب من طرق الأبواب وعجز عن استمالة القلوب للنظر في واقع معاناته.

تنصل من المسؤولية

وحول الوضع الاجتماعي تقول الدكتورة فاطمة أحمد عبيد المغني مديرة مركز التنمية الاجتماعية في خورفكان ورئيسة مجلس سيدات الأعمال بالشارقة إن الشخص الذي لديه متسع من الوقت والجهد وقام بتبني شخص معين أو حالة إنسانية خاصة يفترض عليه أن يبتغي وجه الله في محاولته تحمل مصاريفها وحاجتها وأن يراعي هذه الأمانة لوجهه سبحانه لقول الرسول الكريم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عنه رعيته».

طالما كانت نيته الخالصة التكفل بها ورعايتها شخصيا، والتنصل من هذه المسؤولية أو الأمانة يغلق أبواباً كانت ربما مفتوحة لمساعدتهم ودعمهم، إلى جانب تأثير مثل هذا التصرف على كثير من الأسر التي تحجم عن نشر معاناتها في وسائل الإعلام المتاحة، خوفاً على أنفسهم من هذه المواقف المحرجة والتي قد تزيد من معاناتها أكثر وأكثر.

فيما يقر الحكم الديني أن من تكفل بتسديد الديون والأعباء المادية لأشخاص محتاجين وتحمل مصاريفهم بعد معرفة معاناتهم ووضعهم المعيشي ولم يفعل يأثم وبصفة خاصة إذا لم يكن له عذر شرعي، كونه حجب يد الخير عن الحالة الإنسانية المحتاجة ومنع مساعدة أشخاص آخرين يرغبون في الدعم والعون إلى جانب أنه لم يراعي ظروف هذه الحالة ومدى معاناتها.

ولاشك أن الأمانة مطلوبة في أي عمل كان خصوصاً العمل الإنساني، فمقدم الخدمة مؤتمن قبل أن يتقدم إلى خدمة المحتاج الذي يريد حاجة إنسانية كما أن استغلال ظروف الآخرين باللعب على أوتار مآسيهم خطيئة لا ترتضيها العقيدة الشرعية والفطرة الإنسانية، وطرق أبواب الخير وسيلة تفتح طوق النجاة للعبور في جسور من الحسنات، فهم لا يزالون يعانون ولسان حالهم يقول: «إلى متى سنبقى نعاني، فنشر قصصنا زاد من معاناتنا».

ناهد مبارك