هي ليست شكوى وهو ليس تذمرا، فلتحسبوها ثرثرة حال في سرد المقال. لكن الواقع يفوق الخيال وما يحدث حولي وحولنا فوق القدرة على الاحتمال، ولكن ماذا أقول وكل المعطيات تتضمن متطلبات، وكل ما يريد المرء شيئا عليه ان يقدم في سبيل ذلك أشياء.
بالأمس ذهبت إلى الفِراش مبكرا بعدما دونت أجندة برنامج اليوم التالي، والذي سوف أباشره بإذن الله من الصباح الباكر حتى أنجزه بأقل وقت ممكن، وكلي تفاؤل ان أنجز العمل مع استعارة دقائق أو على الأكثر ساعة من وقت عملي الوظيفي بعدها اتجه إلى العمل. وحين اطمئننت على تجهيز كافة الأوراق والمستلزمات الرسمية للمهمة الصباحية، ورسمت خارطة السير استسلمت للنوم وكما ذكرت في وقت مبكر بقصد الاستيقاظ قبل شروق الشمس.
وهكذا لم تراودني في تلك الليلة لا كوابيس ولا حتى أحلام ولله الحمد على الرغم أن مشهدا ظل يراوغ منامي محاولا الدخول في رأسي وأنا نائم لكن لم اعلم ما الذي حال دون دخوله فقد كان المشهد متوقفا على منظر لأروقة مؤسسة رسمية وهناك من ينتظر في حين كنت أطفو في النوم.
وحان موعد الاستيقاظ نهضت حامدا المولى ومسبحا له سبحانه داعيا بخير الصباح مرددا.. أصبحنا وأصبح الملك لله الواحد القهار.
بعد ذلك بساعة بدأت الانطلاق إلى المهمة، حملت أوراقي الثبوتية الرسمية ومنها جواز السفر، واتجهت إلى المحطة الأولى الغريب أن الزحام أيضا ينهض قبل شروق الشمس، لذلك استهلكت ثلاثة أرباع الساعة لمسافة تنقضي في عشر دقائق على أكثر تقدير، ولكن ( حشر مع الناس عيد) هكذا كنت اردد متصبرا وعيني لا تفارق عقارب الساعة التي أمامي في السيارة.
في هذه المحطة كان البحث عن موقف للسيارة مسربا آخر لانسياب الوقت حيث استغرقت أكثر من عشرين دقيقة، بعدها فتح الله علي فوجدت نفسي أمام شباك خدمة العملاء وهذا، الحقيقة من الأمور الجميلة التي تحرص عليها المؤسسات خاصة للعاثرين مثلي والذين يغرقون في شبر ماء .
حيث يترتب عليهم السؤال في كل خطوة كل ذلك تقديرا وتوفيرا للوقت؛ على كل قامت الفتيات في هذا القسم بالواجب على أكمل وجه بعدما لخصت لهن الغرض الذي جئت من اجله وقد وجهتني بل رافقتني إحداهن إلى باب المسؤول عن هذا الإجراء؛ في مكتب المسؤول كانت تنتظرني صدمة وهي أن هذا الإجراء قد أوقف منذ سنوات وحتى إشعار آخر والسبب في ذلك هو استغلال البعض ممن لا ذمة لهم هذا الإجراء للقيام بأعمال غير قانونية بالإيحاء أنها في ظل القانون.
وبعد المحاولات والأخذ والرد والأسئلة المنطقية والعبثية ظلت الإجابة هي نفسها، وظل الرفض سيد الموقف، وعند ذلك لم يكن بدا من التوجه إلى المحطة التالية حيث لم يستغرق الوصول إليها وقتا طويلا، وذلك لان حالة الذروة قد بدأت بالانفراج بعض الشيء؛ لكن البحث عن موقف للسيارة عوض عن ذلك الوقت واستغرق البحث عشرين دقيقة وبعدها تم العثور على مكان لكن كان قد تبقى درهم واحد لا يكفي لرسم الموقف بعدما دفعت ما معي من دراهم في موقف المحطة الأولى!!
وبعد محاولات وبحث وتنقيب في مخابئ السيارة وأدراجها وجيوبها عثرت على درهم آخر، ولن أتحدث عما استغرقته من وقت حيث الدقيقة تقدر بساعة، والآن لابد من الإسراع فالإجهاد بدأ يهزم الطاقة والحماس والهمة.
لكن الإصرار لا يزال موجودا، بعد المزاحمة للحصول على فسحة في المصعد المكتظ بالمراجعين اخترت استخدام السلم العادي لكن اللهاث من جراء هذه الرياضة أعاق المبادرة بالطلب ما لم استهلك بضع دقائق لاسترجاع الأنفاس، وهذا وقت من حساب الانتهاء من المعاملة، لكن الجيد أن أكثر مكاتب المؤسسات تقع في الأدوار الأولى مما يوفر النفس.
في هذه المحطة كان الرد سريعا و أكثر منطقية إذ لا يمكنها القيام بأي إجراء ما لم يسبقه إجراء المحطة الأولى باعتبارها صاحبة العلاقة الأصلية، وبعد اخذ ورد خرجت بابتسامة اعتذار لطيفة من الموظف وتذكير بالشرط وإشارة إلى ضرورة الاتصال بأحد المخلِّصين وبعد عدد من الاتصالات بفلان وهو في اجتماع وعلان .
وهو في مهمة وبآخر وهاتفه مغلق حدثت المعجزة ووجدت أحد المتفضلين وبهاتف وجهني إلى المسؤول فلان ومنه إلى فلان وهكذا وجدت نفسي أعود عكسيا إلى المحطة الأولى وأعود إلى الغوص في الزحام والبحث عن موقف للسيارة وعن درهمين للموقف والبحث عن الشخص المعني ومنه إلى آخر والآخر يبعثني إلى غيره وتنتهي العملية في المحطة الأولى.
وأجري إلى المحطة الثانية ويتكرر الإزعاج حيث تشكلت ذروة أخرى من الحافلات وهذه تتطلب وقتا أكثر ثم أخرج منها باحثا عن موقف للسيارة و.. و.. و.. و ثم يتم الإجراء، واتنفس الصعداء قبل أن يلسعني التذكر بأن هناك محطة ثالثة فأهرول إليها وأكابد زحاما ثالثا.. أتجاوزه في ساعة.. ثم أبحث عن موقف للسيارة.. وعن عملة معدنية .. وعن وقت.. وعن أعصاب.. وعن صبر!
ثم يقول لك موظف المحطة الثالثة انتظر ساعة وتنتهي المعاملة، وتنظر وتنقضي الساعة فتكتشف أن وقت العمل شارف على الانقضاء إن لم يكن قد انقضى وانك آخر المراجعين. ووقت دوامك انتهى، فتم تسجيلك غياب، وتم الخصم من راتبك، ووجدت على مكتبك خطاب إنذار، ودارت بك الدائرة ووجدت نفسك في دوامة بعدما كنت تتصور أن كل ما تحتاجه من وقت مجرد ساعة واحدة، لكن ذلك كان محض واقع يفوق الخيال.
وتحتار متسائلا.. هل تذهب إلى العمل في ما تبقى من سويعات؟! وكيف تذهب وقد فقدت مزاجك وأعصابك وعدت بلا طاقة ولا همة وقد انتهى اليوم ثم تجلس لتحصي ما أنجزته فيه فتكاد تفقد عقلك، تقفل راجعا وأنت صامت بلا كلمة.
ميسون عبدالله - الامارات
