ربما لأول مرة، يرى الزائر عربات التسوق تصطف أمام مركز إكسبو الشارقة وكأنها تصطف أمام سوبر ماركت إضافة إلى العتلات ذات العجلتين التي يستخدمها الحمالون في نقل الكتب من أجنحة المعرض إلى السيارات، وأصبحت عملية شراء الكتب لا تختلف عن أية عملية تسوق أخرى، فالكتاب لم يعد ترفاً بل هو سلعة بالمفهوم الايجابي لهذه الكلمة، تخضع لمؤشرات السوق وتكاليف التصنيع والإنتاج.
وعلى الرغم من توافر الكتب، تجد بعض العائلات سواء إماراتية أو مقيمة صعوبة في شرائها واقتنائها. نحن هنا لا نتحدث عن الكتب المدرسية التي تزداد أسعارها سنوياً بل عن كتب المعارض التي تسد فراغاً روحياً لدى القراء، وفي ظل أزمة الغلاء العامة، يؤكد يوسف عيدابي، المنسق العام لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، بأن مبيعات المعرض زادت على مبيعات العام الماضي التي كانت أكثر من10 ملايين دولار. أحد أسباب هذه الزيادة، يعود إلى تغيير مواعيد المعرض الذي أخذ يتناسب مع أوقات طلبة الجامعات والمدارس بحيث تمكنت 215 مدرسة أي أكثر من 17 ألف طالب وطالبة من زيارة المعرض وشراء الكتب واقتنائها أثناء معرض الشارقة هذا العام.
كما أن عدد زوار المعرض عامة ازداد هذا العام، حيث فاقوا الـ 400 ألف زائر أي ما يضاهي عدد زوار معرض فرانكفورت الدولي مع حساب ومقارنة النسبة السكانية بين ألمانيا والإمارات.ولا بد من الإشارة إلى أن الاهتمام الرسمي وإطلاق مشروع «في كل بيت مكتبة» شجع الأسر على اقتناء الكتب..ولكن هل يعني ذلك انتظار هذه المكرمة وعدم اقتناء الكتب؟
بالطبع لا ولكن هذه الكتب المقدمة لكل أسرة لا تشبع بالضرورة جميع رغبات القراء لذا فهي مثل نواة لإنشاء مكتبة عائلية، الهدف منها إنشاء مجتمع قارئ، ينشأ ويتعود على القراءة بمروره في المراحل العمرية المختلفة، وإن برنامج إنشاء وتأسيس مكتبات في الأحياء السكنية في المدارس والجمعيات يسعى إلى بناء المجتمع القارئ، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك في خطة الشارقة من خلال إنشاء مكتبات في المستشفيات والمطارات والمساجد عبر شبكة تسعى إلى تأمين الكتب للأسر، والتبرع بمكتبة صغيرة لكل أسرة يحثها على الاهتمام بالكتب وتنميتها.
وهي ميزانية مفتوحة، تشرف عليها لجنة عليا برئاسة الشيخة بدور بن سلطان القاسمي تقوم بمسوحات الأسر والمناطق والقرى والبلديات والمراكز والأحياء من أجل توزيع كتب الأسرة للأطفال والناشئة والكبار، حتى لا تتوقف ديمومة عملية القراءة بل إن المكتبة المركزية اقترحت أن يصار إلى استحداث المكتبات المتجولة لتزويد المناطق مثل كلباء وخورفكان والذيد وداي الحلو وغيرها كما يقول يوسف عيدابي، المنسق العام لمعرض الشارقة الدولي للكتاب.
والسؤال المطروح: هل تسيطر إدارة المعرض على أسعار الكتب وتحد من عملية التلاعب بها من قبل الناشرين؟
يجيبنا يوسف عيدابي: لا يزال دخل الأسرة وأسعار الكتب متوازنة، ولا أحد يتجرأ أن يلعب بأسعارها لأنها محفوظة لدينا في الكومبيوتر ولكن يمكن تحديثها من خلال إعادة طبعها أو استحداث نسخ جديدة وطبعات فاخرة، وهناك طبعات مختلفة مثلاً هاري بوتر تُطبع في الهند وبريطانيا، تختلف في نوعية الورق ويجب التفريق بين الطبعات العادية والطبعات الفاخرة، آنذاك يمكن أن يتعّدل السعر وأي تلاعب في الأسعار، يُعاقب الناشر بإعطاء الكتاب إلى المشتري مجاناً ويتم إنذاره، ونحن ننتصر للمشتري على الدوام، ولا بد من الذكر أن الناشرين يقومون عادة بتخفيضات لتسّهيل علمية البيع.
ولكن هناك دور نشر تشتكي على الدوام من نقص مبيعاتها، هل هذا صحيح؟
يقول يوسف عيدابي: هناك مبيعات هائلة هذا العام، أحد الناشرين باع في يوم واحد بما قيمته 70 ألف درهم، وهناك ناشر باع في العام الماضي بما وصلت قيمته إلى أكثر من مليون ونصف مليون درهم، وهناك من يأتون إلى المعرض ويحملون معهم مليون درهم لشراء الكتب، مثل أصحاب مكتبات من السعودية وقطر وعمان.
وهناك قراء يأتون من بلدان التعاون الخليجي لشراء الكتب، وهناك دور لديها 1500 عنوان ومنها من يطبع 300 عنوان في العام.
ويرى العديد من زوار المعرض أنه قد لبى حاجاته كاملة حيث يقول سامر الذي كان يدفع عربة مليئة بالكتب إن المعرض لبى حاجياته وهو يحرم أطفاله من التلفزيون في أوقات معينة ويستبدله بالكتب حسب رغباتهم. ويشتري كتباً لأطفاله بمبلغ يتراوح من 3 إلى 4 ألاف درهم سنوياً.
وهي عادة درجت عليها أسرته منذ سنوات على الرغم من ارتفاع أسعارها نوعاً ما. ويضيف: أشعر بأن المعرض الحالي يحتوي على كتب أكثر لذا يجب أن أشتري مزيداً منها، وخاصة في ظل تقدم الطباعة وزيادة ألوانها وزخارفها وجمالياتها ورونفها مما يشجع أكثر على الشراء والاقتناء.
أسر إماراتية ومقيمة تضع ميزانيات لشراء الكتب نظراً لارتفاع أسعارها
لاتزال مسألة اقتناء الكتب تأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام العديد من الأسر حيث إن هناك أسر تجمع المال طيلة العام وتؤمن ميزانية خاصة لانتظار انعقاد معارض الكتب.
فدوى، معلمة مدرسة، ولها أربعة أولاد، تقول: يجب أن تتوفر لدى كل أسرة ميزانية لشراء الكتب، كما هو في أسرتنا، لأنه لا غنى عن الكتاب في الوقت الحالي، لأنه يعلق بذهنية الطفل ولا يمكن له أن ينساه. فالانترنت يذهب ولا يمكن أن يعوّض الكتاب أبداً. وفي الأسرة نقوم بشراء الكتب حسب المرحلة العمرية لكل طفل.
وتضيف: تتنوع الكتب التي أحرص على اقتنائها فهناك سلسلة الأدب العالمي التي تتناسب مع جميع الأعمار وتستهويهم، وتتوزع مشترياتنا للكتب على أفراد الأسرة، على سبيل المثال يشتري زوجي كتباً خاصة به وأنا اشتري كتباً خاصة بي وكذلك الأولاد يشترون كتبهم في البرمجة والكومبيوتر وغيرها وكل واحد حسب هوايته.
أما مريم، وهي ربة أسرة فتقول: لا توجد لدينا ميزانية خاصة لشراء الكتب، لكننا لا نتردد في شراء الكتب التي نحتاجها، ولم أخصص ميزانية خاصة لهذا المعرض، ابنتي هدى تقرأ الكتب كثيراً، وحين سألنا هدى: هل لديك ميزانية خاصة وما كتبك المفضلة؟ أجابت، وهي في الثانية عشرة من عمرها: لم أخصص ميزانية خاصة ولكني اشتري الكتب بمبلغ يتراوح من 150 إلى 200 درهم شهرياً. وأفضل كتبي هي القصص العلمية أو التاريخية القديمة.
وتقول ريم سورية موظفة في أحد البنوك: عندنا ميزانية، والكتاب أهم من كل شيء في نظري، وعلى الرغم من محدودية هذه الميزانية بسبب موجة الغلاء العامة إلا أنني لا أتردد في شراء الكتاب الذي أرغب في قراءته، وقمت بشراء كتب بمبلغ 500 درهم تقريباً هذا العام. ويشهد المعرض الحالي زيادة في أسعار الكتب، يبلغ سعر كتاب عادي بـ 50 درهم، بينما سعره يبلغ 200 ليرة سورية، فلماذا هذا السعر المبالغ فيه؟
وأضافت ريم: لا توجد هذا العام عروض خاصة كما في السنوات الماضية، ومن الأجدر بدور النشر أن تخفّض أسعار الكتب في المعارض لأنهم يبيعون بكميات كبيرة كأنهم يبيعون بالجملة.
لينا ربة بيت اتفقت مع صديقتها ريم بينما زوجها محمد قال إن الكتاب مهدد من قبل وسائل الانترنت التي تعّوض كثيراً من الكتب إضافة إلى سهولة التصفح والعثور على المعلومة ولكن زوجته عارضته قائلة: إن الانترنيت لا يعّوض الكتب لأنها تحتوي على التفاصيل التي لا نجدها في الانترنيت.
أما وفاء، فقالت: نحن نخصص ميزانية لشراء الكتب للأسرة، وهي كتب متنوعة لأن لي أولاد في الإعدادي والابتدائي وتحت عمر الخمس سنوات، وعندما أقول ميزانية فأنني لا أقصد بأنني أرصد مبلغاً معيناً لشراء الكتب بل أفضل صرف الأموال على شراء الكتب، خاصة أن الأولاد يكبرون وهم يحتاجون إلى كتب جديدة، في كل عام، وأسعارها تختلف من سنة إلى أخرى، ولكنها بصورة عامة متوازنة مع حياتنا المعيشية ولا تشكل عبئاً مالياً علينا، وتبقى أسعار الكتب في المعرض أقل من أسعارها في المكتبات الخارجية.
أما صفية، وهي موظفة تعمل في أحد الدوائر الرسمية، فتقول: ميزانيتي للكتب مفتوحة، ويمكن أن أقول بأنها ليست أقل من عشرة آلاف درهم في السنة، عندي ضعف إزاء الكتب، مهما يكن سعر الكتاب أشتريه. وأفضل شراء الكتب على الذهب أو الملابس على الرغم من ارتفاع أسعارها هذا العام وهو شيء لا يمكن نكرانه، فقد لاحظت هذا العام في المعرض الحالي للشارقة بأن أسعار الكتب ازدادت بنسبة تتراوح من 20 إلى 30 % ولكن رغم ذلك، لا يؤثر ذلك على رغبتي بشراء الكتب، ومهما يكن ثمن الكتاب فهو الزاد الروحي الذي لا يمكنني التخلي عنه.
ومما لا شك فيه أن التزامات الأسرة ومتطلباتها المتزايدة من الكماليات تؤثر على عملية شراء الكتب ولا ننسى أن للكتاب في وضع تنافسي خطير من جهات عديدة وخاصة الفضائيات والانترنيت والبرامج السمعية البصرية الأخرى. فلم يعد الكتاب هو الوسيلة التثقيفية الوحيدة في عالمنا ولكن يبقى للكتاب سحره الخاص وهذا ما يجعله حاضراً في حياتنا على الدوام.
شاكر نوري


