تجاهل وإهمال احتياجات الطرف الآخر في العلاقة بين الأبناء وأمهاتهم يجعل التعاسة تزحف باتجاه الأسرة، فالتطلع إلى تحقيق سعادة للأطفال يحتاج إلى تنازلات كبيرة من طرف الأم والأب اللذين يعدان أساس التربية الصحيحة للأبناء ومن دونهما يفشل الأطفال.

ويقر الكثيرون أنهم لا يملكون الوقت الكافي لإعطاء أبنائهم فرصة الحصول على حنان الأم والأب معا، ولكن ما لا يدركه الآباء والأمهات حجم المخاطر التي يقع تحت وطأتها الأبناء من الضغوط النفسية التي تنجم عن بقائهم بشكل دائم مع الخادمة الأجنبية، فالفارق كبير في العادات والتقاليد والديانة مما يجعلنا تحت علامات استفهام كثيرة، فمن أعظم الأخطاء التي تقع بها الأم مع أبنائها تركهم مع الخادمة واعتمادها الكبير عليها في تربية أبنائها فمن هنا كثر الحديث عن المربيات الأجنبيات في الأسرة الخليجية بشكل خاص.

وتباينت وجهات النظر حول دورهن في المجتمع الخليجي فعلى الرغم مما يشعر به الآباء والأمهات من خوف مما يترتب على استخدام هذا النوع من الخادمات من آثار سلبية تشمل الجانب الاجتماعي والتربوي للأطفال. وتظل الأسئلة كثيرة حول هذا الجانب، فمن المعروف أن المجتمع الخليجي طرأ عليه تغيرات ليست بسيطة إلى حد ما عند ظهور النفط.

مما أدى إلى نمو هذه المجتمعات بطريقة سريعة فتبدلت أشياء كثيرة مع هذا التطور ومن أهمها خروج المرأة إلى معترك الحياة العملية تاركة من ورائها الأطفال للمربية الأجنبية. وأصبحت الخادمة عبارة عن علامة مميزة في المجتمع الخليجي للترف الاقتصادي والتباهي وليس هذا فحسب، بل باتت اقتناء الخادمة نوعاً من أنواع الإسراف حتى وإن كانت العائلة في غنى عنها.

موضة وترف

ربيع سامي مصالحة.. متخصص في علم النفس يعتبر أن الخادمة أصبحت ضرورة لا غنى عنها في أي بيت خليجي وذلك للتغيير الذي طرأ على مجتمعنا كخروج المرأة للعمل وتزايد حجم المنزل في المجتمع الخليجي بشكل كبير جدا لا تقوى علية الأم لوحدها مع ارتفاع المستوى الاجتماعي للأسر.

وأصبح من الضروريات للأسرة الخليجية تواجد أكثر من خادمة داخل المنزل حيث إنها لا تعتبر مجرد موضة وإن كان البعض جعلها موضة يتباهى بها أمام الأصدقاء والتنافس على كثرة الخدم في المنزل.

وقال مصالحة إن هناك الكثير من السلبيات في وجود الخادمة الأجنبية في المنزل كاختلاف اللغة والعادات والتقاليد، وتعد الديانة من أهم الأشياء، فالأبناء سيتأثرون كل التأثر بوجود الخادمة لما لها من دور كبير في تربية الأبناء أكثر من الأم.

وتعلق الأبناء في الخادمة بات أمراً مفروغاً منه للمدة التي تعيش فيه الخادمة في المنزل وتربية الأطفال الذين أصبحوا رجالاً بعد مرور هذه السنوات الطويلة مما يجعل الأبناء لا يستغنون عن الخادمة بأي شكل من الأشكال لما لها من دور كبير على حياتهم أكثر من دور الأم ولكن مع كبر الأطفال أصبحوا يدركون أن الخادمة مجرد خادمة فقط.

غياب الأم

ورأت حليمة عبدالرحمن حسن...مديرة مول وربة منزل أن وجود الخادمة في المنزل أصبح أمراً ضرورياً وذلك لعدم قدرة الأم على التواجد بشكل مستمر طيلة النهار لانشغالها بالعمل، فبالتالي باتت الخادمة هي همزة الوصل بين الأم والأبناء.

واعتبرت أن اعتماد الكثير من الأمهات على الخادمة بشكل لا يتصوره العقل ليصل بذلك إلى إعطاء المهمة للخادمة في متابعة سلوكيات الأطفال والشؤون المنزلية بالطريقة التي تريدها الخادمة، في حين أنه لابد من الحرص على تقديم التوجيهات من الأم حتى لا تتمادى الخادمة بفهم ذلك لدرجة تشعر أنها أصبحت الأم ولها الكلمة على الأبناء لتفعل بهم ما تريد.

ومع تزايد الاعتماد على الخادمة في متابعة شؤون الأبناء صغيرها وكبيرها أصبح الأطفال مرتبطين بالخادمة ارتباطا وثيقا لا يزحزحه احد، إلا إذا آن الأوان لرحيل هذه الخادمة فمن هنا تقع المشكلة الكبيرة على الأهل والمفاجأة الكبرى للأم حين يرفض الأبناء ولا يعودون يتقبلون أي أوامر منها.

الكسل والخمول

وعبرت يسرى احمد سلامة...طالبة جامعية عن استيائها من وجود المربية في المنزل وذلك لعدم شعورها بحنان الأم الكافي لها، وان اعتماد الأطفال على المربية أو الخادمة أصبح في كل شيء دون استثناء.

وقالت إن الكسل والخمول أصبح موجوداً بشكل لا يوصف في المنزل حتى على مستوى تناول كأس الماء الذي أصبح من المستحيل أخذه إلا من يد الخادمة وقد يصل هذا إلى الاتصال بالخادمة من الغرفة المجاورة لكي تحضر لها ريموت التلفاز ولكن هذا ما جنته الأم على الأبناء لاعتمادها الكلي على الخادمة في خدمة أبنائها الصغار والمراهقين ومن ثم اعتماد الأبناء الكلي عليها.

الخطر القادم

واعتبرت حسنيه عبدالرحمن الحاج سليمان.. ربة منزل وأم لتسعة أبناء أن وجود الخادمة أصبح خطراً كبيراً على الأطفال والأسرة، فالطفل عندما يبكي وهو ينظر إلى لعبة نجد الأم غير مبالية ببكاء الطفل وهو يصرخ ويتوسل للخادمة لشراء هذه اللعبة.

ورأت انه لا مانع من وجود الخادمة ولكن في شروط لا يتعداها احد، فالخادمة فقط للشؤون المنزلية كالتنظيف وترتيب المنزل، أما الأطفال فلهم الأم والأب لتربيتهم تربية صالحة تليق بعاداتنا وتقاليدنا وديننا الحنيف.

والأم العاملة تستطيع من خلال ساعات العمل المحددة لها في الشركة أو أي جهة ما أن توظف نفسها بعد ذلك في المنزل لإدارة شؤون الأطفال والاهتمام بهم وعدم تركهم مدة طويلة مع الخادمة.

الأم مدرسة

وقال عصام احمد الشعيبي... مدير شركة مقاولات للبناء انه ضد فكرة وجود الخادمة في البيت، لأن أساس التربية للأبناء هو وجود الحضن الدافئ الذي لا يبخل عليهم في العطاء، فالأم هي المصباح الذي ينور دروبنا وهي المدرسة التي إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق.

واعتبر أن الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع من قبل التربويين وعلماء النفس والاجتماع، تظهر أن هناك انعكاسات سلبية لظاهرة الإفراط في استخدام العمالة المنزلية على النشء والتركيبة الاجتماعية والسكانية.

وفي دراسة أجرتها غرفة تجارة وصناعة أبوظبي أشارت إلى أن 5% من سكان الإمارات من العمالة المنزلية وتحتل العمالة الاندونيسية والفلبينية المراكز الأولى في حجم العمالة في الدولة، فدول الخليج خاصة من اكبر الدول استهلاكا للعمالة المنزلية على المستوى العالمي ومن أهم أسباب هذا الانتشار عمل المرأة وتركها لعش الزوجية وإعطاء المجال للخادمات للقيام بتربية الأطفال وتنشئة جيل لا يعلم به إلا الله.

ويؤكد الشعيبي على أن السلوك السلبي للجيل الجديد يعود بشكل أو بآخر إلى التأثير القوي للمربيات الأجنبيات على الأفراد منذ نعومة إظفارهم ويتبلور بذلك السلوك السلبي ويتسع ويحدث الزواج من أجنبيات كما هو الحاصل الآن في تفشي ظاهرة العنوسة.

والزيادة في نسب الطلاق بشكل ملحوظ ومن وجهة نظري أن الحل هو عودة الأم إلى تربية الأطفال والتخلي عن الخادمات أو تقليص هذه الظاهرة وإعطاء الخادمة دور يقتصر على التنظيف والخدمة وإبعادها عن الأطفال.

عامل مدمر

واعتبر ناصر إبراهيم عيشة... المهندس المعماري أن الخادمة هي أساس دمار الطفل والأسرة ومن ثم المجتمع، وقد تكون هذه الخادمة آتية من بلاد بعيدة للبحث عن لقمة العيش ولكن يرجع الدور الرئيسي في تقليص دور الخادمة للأهل.

فالخطورة في ترك الطفل مع الخادمة الأجنبية وخصوصا في المرحلة المبكرة الأولى للطفل حتى ست سنوات هي المرحلة الأخطر حيث يشعر بهذه المرحلة دائما بالخوف وعدم الأمان في ظل غياب الأم والأب عنه ومن ثم يؤثر ذلك على شخصية الطفل في المستقبل.

ورأى أن وجود الأم في المنزل يعزز أجواء الأمن والاستقرار النفسي لدى الأطفال، وقال إن المربيات العربيات هم أولى من غيرهن في يكون لهن هذا الدور الكبير في التربية وتنشئة جيل على مبادئ الدين الإسلامي وتعليم أبنائنا العبادات والعادات والتقاليد العربية الأصيلة.

إضاءة

اختلاف العادات

كان رأي احمد عبدالقادر شيخ القهواتية طالب جامعة ومدير مركز انترنت أن هناك أثراً سلبياً للسلوك الذي تنامى مع الطفل الذي ترافقه المربية منذ الصغر، فيتعلم المبادئ والقيم والمفاهيم التي تمليه عليه هذه الخادمة بشكل مباشر، فالخادمة تقوم بدور الأم بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى.

فهي التي تنظفه وهي التي تطعمه وهي التي تفيق منذ الصباح لتوصله إلى باص المدرسة مثلا وهي التي تستقبله عندما يعود وترتب له ملابسه وتنظفه. ومن هنا يؤدي هذا السلوك إلى تعزيز ارتباط الطفل بالخادمة وتصبح الأم ذكرى بالنسبة له وقد تكون غريبة في نظره.

وقال انه يظهر على الطفل مستقبلا ضعف الانتماء للقيم والمبادئ والاضطرابات اللغوية ومن ثم الخوف من مواجهة الحياة ويصبح بذلك اتكالياً ولا يعتمد على نفسه. وقد يصل به الأمر إلى التأخر الدراسي وعدم المبالاة والكسل ويميل للعدوانية أكثر منها لروح المبادرة والمثابرة لأهله وقد يسعى إلى تفضيل الغرباء على أبناء الوطن.

وبلا شك تظهر قناعات داخل هذا الطفل عند الكبر أن الأجنبية أفضل من المواطنة والسبب الخادمة التي لا ديانة لها. وبهذه الظاهرة يصبح السلوك السلبي على الأطفال مؤثر عليهم في المستقبل وكل الدراسات التي أجريت من قبل المختصين تظهر وجود إفراط في استخدام العمالة المنزلية.

عبدالرحمن الوهيبي