في كواليس معرض الشارقة، كان جناح الكتب الأجنبية الأميركية والبريطانية الأكثر مبيعاً، والحائزة على الجوائز الأدبية العالمية حاضراً، دون أن يثير الاهتمام على الرغم من تكريم إدارة المعرض له. كانت هذه فرصة ثمينة للناشرين العرب تتيح لهم اختيار الكتب الأكثر مبيعاً والحائزة على أرفع الجوائز، من أجل ترجمتها وتقديمها إلى القارئ العربي.
ولكن الترجمة في العالم العرب لا تزال عشوائية في ظل غياب حقوق الملكية الفردية. وهذا ما تحاول الإمارات أن تصلحه لأنها من أوائل الدول العربية إن لم تكن الوحيدة التي وقعت على اتفاقيات حقوق النشر والملكية الفكرية. وتسعى مشروع «ترجم» إلى ترجمة ألف كتاب في غضون ثلاث سنوات، وقد أنجز منها 117 كتاباً في مئة يوم فقط. كما يسعى مشروعا «كلمة» و«ترجم» للاستثمار في مجال الترجمة باعتبارها مهنة ويعتزمان إرسال المترجمين المواطنين في بعثات دراسية لإعداد جيل جديد من المترجمين.
وضمن فوران الترجمة، وعلى هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب أقيمت ندوة حوارية خاصة «الترجمة بين الكتب القيمة والكتب الأكثر مبيعاً». وطرح المشاركون موضوع: أي الكتب نترجم؟ ولماذا لا نترجم الكتب التي نحتاجها؟ ولماذا لا نتجه شرقاً في ترجماتنا؟ وما هي العوائق التي تقف في وجه الترجمة؟ هذه الأسئلة أصبحت القاسم المشترك في الحوار.
ترجمة
كامل يوسف حسين، مترجم ومؤلف 75 كتاباً، وهو من ألمع المترجمين كما وصفه يوسف عيدابي، أشار إلى سبع نقاط ولكنه بدأ بالنقطة الأكثر أهمية، طارحاً السؤال: لماذا لا نتجه شرقاً، بقوله «لقد أوغلت الشعوب العربية طويلاً في الترجمة والنقل عن الغرب وآن الأوان لأن تتجه شرقاً للاستفادة من دروس وتجارب الشرق، وبصفة خاصة في الصين واليابان وماليزيا وكوريا وغيرها.
ماليزيا التي كانت بيوتها من الطين، أصبحت الآن تصنّع الطائرات وعلينا أن نفتح الأفق العربي أمام الصين التي ستصبح القوة الأولى في العالم. وأكد على أن مؤتمرات الترجمة في الدار البيضاء والقاهرة والشارقة وغيرها لم تبلور المفاهيم عن الترجمة. وطرح السؤال الحيوي: ما الذي ينبغي ترجمته في الدول النامية؟
وأجاب بأنه ينبغي أن نترجم كل شيء ولكننا لا نمتلك هذه الرفاهية بسبب ما يحيطنا من مشاكل. إذاً لا بد من ترجمة ما نحتاج إليه في الدرجة الأولى. هل تعلمون أن الياباني فوكوزادا يوكتيشي، رائد التحديث الياباني قام بترجمة كتاب عن «صيانة الأسلحة النارية الصغيرة»، حيث البنادق تصدأ من دون أن يعرف أصحابها كيف ينظفونها بعد استخدامها.
وهناك كتاب مترجم آخر وهو من أخطر الكتب «المناورة بنيران ألوية وأفواج صواريخ سام» لأن السلاح جديد وكانوا بحاجة إليه. وإذا كنا بحاجة للغداء علينا أن نترجم كتباً عن الزراعة.
عجب
وأضاف: إنني لأتعجب أن بلداً كالإمارات العربية المتحدة في نهضته العمرانية المعروفة لا توجد كتب مترجمة أو مؤلفة حول العمارة. كيف نحسم الخيار بين الكتب القيمة والكتب الأكثر مبيعاً؟
والإجابة هي أن الكتب التي نقوم بترجمتها ينبغي أن تنير حياة الناس.
مساعد الطيار، صاحب دار «العبيكان» السعودية، أشار إلى أن الكتاب الأكثر مبيعاً ليس بالضرورة يكون كتاباً قيماً إذ تدخل في هذا المجال مسألة التسويق. هناك كثير من الكتب القيمة لكنها ليست الأكثر مبيعاً لأنه لا يجد السوق.
تساؤل
تساؤلات نطرحها بل وتطرحها غالبية دور النشر. هذا هو الواقع الذي نتعامل معه، ونحن قمنا بترجمة 800 كتاب منذ عام 2000. والسؤال الأهم هو: ماذا نترجم؟ ولماذا نترجم؟ هل لكي نربح؟ في المحصلة غايتي هي تربوية وتثقيفية ولكن لا بد لي من التفكير بالربح من أجل استمرارية الدار، لأنني أواجه في نهاية السنة الفواتير والدفوعات.
نحاول أن نتلمس نبض السوق. هناك كتب لا تقوى على القيام بمهمة ترجمتها دور لوحدها مثل الانسيكلوبيديات الضخمة لأنها بحاجة إلى مؤسسات تنهض بهذا العمل. هناك توجه لإحياء عملية الترجمة في العالم العربي.
نحن نحاول أن نكون متنوعين ونختار المترجم المختص في الميدان الذي يترجم فيه. هناك المشروع القومي للترجمة الذي قام بترجمة 1300 كتاب حتى الآن. وهناك مؤسسات أخرى. ولا بد من اختيار الكتاب الأكثر مبيعاً ليناسب البيئة العربية.
محاولات
لا يمكننا أن نقرر ما هو الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم العربي لأننا نفتقد إلى الإحصائيات الدقيقة، طبعنا كتاباً وهو «لا تحزن» الذي وصلت مبيعاته إلى نحو مليون نسخة ولكن البعض يعتبره كتاب «سواليف» لا أكثر. نحن نحاول أن نمسك العصا من الوسط، ولدينا مشاكل معينة مع الرقابة في وزارة الثقافة والإعلام في إجازة نشر بعض الكتب وخاصة التاريخية والسياسية.
بشار شبارو، أمين عام اتحاد الناشرين وصاحب الدار العربية للعلوم في بيروت، قال إن دولة الإمارات تنهض بحركة الترجمة العربية في العالم العربي، وأشاد بمؤسسة محمد بن راشد الثقافية التي تقوم بدعم الكتاب المترجم من خلال شراء 1500 نسخة من الناشر وتوزيعها على المراكز الثقافية والمؤسسات والمكتبات، مما يجعل الناشر يتجرأ على ترجمة الكتب القيمة دون خسارة حتى لو لم يجد سوقاً تجارية لها. وأشاد بمشروعي «ترجم» و«كلمة» وهما اللذان ينهضان بالترجمة العربية.
صراع
وأشار إلى أنه أسس دار نشر متخصصة بالكومبيوتر في بداية عمله ولكن هذا الدار لم تنجح. وأكد على أن المفارقة الكبيرة تكمن في نسبة طباعة الكتب مقارنة بالسكان في العالم العربي. وأورد مثلاً أنه حاول شراء حقوق كتاب لغرض الترجمة من ناشر أميركي، وقد أصيب بالذهول عندما أخبره بأنه يطبع 3000 نسخة للعالم العربي الذي يبلغ نحو 300 مليون نسمة، بينما تقوم الدار الأميركية بطباعة 40 ألف نسخة على سبيل التجريب.
وأوضح أن الكتاب الأكثر مبيعاً في فرنسا على سبيل المثال لن يكون الكتاب الأكثر مبيعاً في العالم العربي. وطرح سؤالاً: لمن نترجم؟ وذكر أن الكتاب الأجنبي ينبغي أن يتواجد في دولة الإمارات بسبب تعدد القوميات والجنسيات واللغات. والجناح الخاص بالكتب الأمريكية والبريطانية في المعرض الحالي فرصة لمعرفة هذه الكتب التي حازت على الجوائز الأدبية والعلمية وهي الأكثر مبيعاً في العالم.
أما عن الملكية الفكرية، فأضاف: لدي تجربة في ترجمة كتاب من العبرية ولم أعطه حقوق الملكية لأنهم سرقوا بلادنا ولكنني مع إعطاء حقوق النشر للكتب الأجنبية الأخرى، وكنا من أوائل الدور التي تعطي حقوق النشر.
والدور التي تنشر الترجمات بصورة غير شرعية تضطر لوضع أسماء دور وهمية لكي لا يطالها القضاء. ولا تزال «الترجمة العكسية» شبه غائبة وإن وجدت فإن الأسواق الأوروبية مغلقة بوجهها.
إضاءة
أكد الدكتور يوسف عيدابي المنسق العام للمعرض على إن فوران الترجمة الذي يشهده العالم العربي يعود في جزء منه إلى الصراع الذي كان قائما بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي. وعندما اختفى المعسكر الاشتراكي أصبح الفكر الأحادي مهيمناً على ساحة الترجمة.
إنني أخشى من «فقاعة» الترجمة في الوقت الحالي، بينما كنا ننادي منذ السبعينات من القرن الماضي بضرورة الحوار مع الآخر، من خلال الترجمة طبعاً ولكن جهودنا لم تثمر. ولا يمكن أن ننكر وجود مراكز ترجمة في كل من سوريا ومصر والعراق قدمت الكثير من الترجمات، ولكن كان السؤال الذي يلح علينا: لماذا نترجم وما هي اختياراتنا؟
وأشار صاحب دار الفاروق إلى الترجمة الآلية التي لولاها لما تم انجاز الكتب التقنية والعلمية والكومبيوترية في عالمنا العربي ولكن الترجمة الآلية ليست ضمن الأجهزة المتوفرة في السوق التجارية بل هي برامج نقوم نحن بتغذيتها بالمعلومات والمصطلحات والكلمات.
أما صاحب دار القدس لترجمة الكتب الطبية، محمود طلوزي، فقد أشار إلى أن الكتاب الطبي يعاني من مشاكل كثيرة وهي عدم إقبال القراء على اقتنائها بحيث إننا نقوم ببيع الألف نسخة من الكتاب الطبي المطبوع في غضون سبع أو ثماني سنوات.
شاكر نوري


