في الوقت الذي كان الأطفال يترجلون من حافلاتهم المدرسية ويصطفون في طوابير منتظمة ويتوجهون إلى ساحة معرض كتاب الشارقة، كان الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال ينعقد في إحدى القاعات المجاورة لبحث سبل تطوير صناعة كتاب الطفل.

ومن أبرز برامج دورته الأولى لهذا العام، ينعقد ملتقى «ورشة الكتاب النموذجي للطفل العربي»، طرح فيها المشاركون سؤالاً جوهرياً وهو: كيف ننجز كتاباً نموذجياً يشّد الأطفال ويستأثر باهتماماتهم؟ أشار محمد العزي، المختص بأدب الأطفال إلى أنه من الصعب أن نضع تعريفاً واضحاً للكتاب النموذجي الذي نطمح إلى إنجازه لأن هذا الكتاب ينبغي أن تتوافر فيه كل عناصر الإبداع. ولا يقتصر على النص الأدبي وحده وإنما على العناصر الأخرى مثل الرسم والتصميم والإخراج والألوان. وأكد على أن الكتاب كان فيما سبق الوسيلة الوحيدة التي يلجأ لها الأطفال طلباً للمعرفة، والقراءة استنفاراً لكل الجوارح وإذكاء لجميع الحواس، أي كانت عيداً من أعياد الجسد والخيال والروح غير أن العصر تغيّر وولدت وسائل أخرى تخاطب الطفل وتجتذبه وتستحوذ عليه وفي مقدمتها: الصورة التي أصبحت لها سطوة على أطفالنا.

وهناك سؤال آخر طرحه هو: كيف يمكن أن يستعيد الكتاب حضوره؟ وأجاب: هناك فهم خاطئ لقصص الأطفال لأن ما يعمل على إيقاد الخيال عندهم ليس النص بل الألوان والأشكال ولعبة البياض والسواد وهندسة الفضاء أي لا يستخدم لغة واحدة وإنما لغات عديدة. أما العناصر التي يجب أن تتوافر في الكتاب النموذجي فهي: نص يكتبه مبدع كبير يدرك أسرار لعبة الكتابة. ورسومات الفنان لا تقتصر على مجرد توضيح النص بل تشكل إبداعاً آخر يُضاف إلى الإبداع الأول. ومن ثم يأتي التصميم والإخراج. وعبّر عن أسفه لعزوف كثير من الكتّاب الكبار عن الكتابة للأطفال علماً بأن أحمد شوقي كتب للأطفال، وكل ذلك لا يعني أن نكتب لهم أدباً فردوسياً متفائلاً إلى حد السذاجة بل ينبغي أن نشرح لهم عوالم الخير والشر والصراع بينهما، لذا يجب أن يكون جريئاً لأن أدب الأطفال العظيم يتجه نحو المستقبل ويصبح نافذة على عالم أجمل، وذلك لا يتحقق إلا من خلال مزج المعرفة باللعب كما هو حاصل في معرض الشارقة الحالي.

تراث متواصل

لينا كيلاني، مؤلفة 130 كتاباً للأطفال من سوريا، تقول إن نموذجية كتب الأطفال ترتبط بعوامل البيئة وأسلوب التربية والتراث المتواصل من جيل إلى جيل. وأكدت على أن الكتاب الغربي الذي يعبر عن أعماق الطفل الغربي ليس بالضرورة كتاباً نموذجياً للطفل العربي ولو توافرت له كامل عناصر الجودة لأنه لا يعبر عن بيئته وهمومه ومشكلاته وخصوصياته إذ لا يضاهي قصة هاري بوتر الشهيرة أي كتاب لأن معظم أطفال العالم وقفوا في طوابير مزدحمة أمام المكتبات لاقتنائه وقراءته .

حتى أطفالنا العرب قرؤوه بترجمته العربية بينما نحن نطرح السؤال التالي: لماذا لا يقبل الطفل الأمريكي على قراءة كتاب عربي؟ علماً بأن معظم القصص الغربية استوحيت من ارثنا الثقافي مثل ألف ليلة وليلة التي لو لم تقرأه مؤلفة هاري بوتر لما تمكنت من كتابة قصتها الشهيرة واكتسحت به العالم. وفي الحالة هذه، لا بد إذاً من ابتكار موضوعات جديدة للأطفال لجذب اهتمامهم، من خلال التوجه إلى عقولهم بالكلمة والصورة واللون والمضمون والخيال.

وأشار محمد صلاح الدين بصار، الفنان المصري المختص برسومات الأطفال، إلى أن كتاب الأطفال يبقى قاصراً بدون سحر الرسومات. ولنا أمثلة في ذلك، ومن هذه الرسومات حازت على جائزة «أندرسون» وهي أكبر جائزة عالمية في مجال تأليف كتب الأطفال، يطلق عليها «نوبل الصغير».

وكانت تُعطى لكاتب كل عامين بدءاً من عام 1956 وأصبحت الآن تُقدم لكاتب ورسام بدءاً من عام 1966. وهذا اعتراف من الجائزة برسومات كتب الأطفال. وهناك أيضاُ من الرسامين من لا تقل قيمتهم الأدبية عن قيمة كتّاب أطفال أمثال «كونتين بلاك».

وأكد على أن الكتاب الورقي سيحافظ على قيمته ورونقه وتألقه مهما اتخذ من أشكال جديدة، لأنه يحافظ على وظيفته الحيوية كوسيلة تثقيفية أولى لأنه يخاطب الأطفال في كافة المراحل العمرية، حتى ما قبل المدرسة بدءاً من عمر العامين مثل كتب الفنان الهولندي العالمي ديك برونا الموجهة لهم.

وأضاف بأن مساحة الرسم تمتد في سن ما قبل المدرسة بنسبة 90% في الوقت الذي لا يتجاوز فيه النص 10% من المساحة وبالتدريج تبدأ مساحة الرسوم بالتناقص. ولا يمكن القول بأن العالم العربي متخلف في هذا الميدان، فقد حصل كتاب «سيد الخلق» على جائزة أحسن عشرة كتب أطفال في العالم في معرض فرانكفورت الدولي وحصل الكتابان «محمد في عشرين قصة» و«أجمل الحكايات الشعبية» على جائزة «الأفاق الجديدة» من معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال.

وقد تأثرت أفلام الكرتون بقصة «السمكة الصغيرة السوداء» للكاتب الإيراني صمد بهرنجي، وقامت شركة والت ديزني بتحويلها إلى فيلم الكارتون الشهير «البحث عن نيمو» دون أن تشير إلى اسمه. ولو رجعنا إلى عام 1870 لرأينا بأن مجلة «روضة المدارس» التي أصدرها رائد النهضة العربية رفاعة الطهطاوي أول من نشرت رسمة للأطفال وهي عبارة عن دواة وفرشاة أيام كانت الرسوم لم تدخل بعد إلى الكتب.

وكانت تلك الكتب تؤثر في نفوس الأطفال حينها ما حدا بالكاتب الكبير نجيب محفوظ أن يعترف بتأثراته بكتاب «القراءة الرشيدة» في طفولته. ومن جهة أخرى، طلب طه حسين ذات مرة اختيار رسام جيد لإرفاق رسوماته في كتابه الشهير «الأيام».

عزت عمر، كاتب أطفال، أكد بأن العالم العربي يفتقر إلى حركة نقدية تقيّم كتب الأطفال. وعادة ما تخضع هذه الإبداعات إلى اشتراطات مثل فرض رسام معين على كاتب الطفل. وأضاف: بأن كتب كريستيان أو زكريا ثامر ليست بالضرورة كتباً نموذجياً في مجال كتب الأطفال كما ذكر أحد الزملاء. واقترح تغيير مصطلح «الكتاب النموذجي» بـ «الكتاب النوعي».

فيما ذهبت الناشرة الالكترونية للأطفال سناء غنيمة، إلى أنه لا يمكن مفاضلة شكل إبداعي على آخر في مجال كتب الأطفال، فإذا كان الكتاب جيداً يمكن تحويله إلى شكل آخر يتم توزيعه على الانترنيت. لذا فالمنافسة مجال النشر للأطفال أصبحت مسألة عقيمة.

حاجة ثقافية

محمد عدنان سالم، رئيس الملتقى لناشري كتب الأطفال، أكد على أن غالبية الأطفال العرب غير قادرين على اقتناء الكتاب الورقي في بعض الدول العربية، لذا يجب تأمين الحاجة الثقافية لهم قبل أن نصدر أحكامنا على نوعية الكتب وأشكالها، ولا يمكن الكتابة للأطفال ما لم يمتلك الكاتب عقل الطفل وقلبه. فيما ذهب نائبه، المهندس خالد البلبيسي، وهو ناشر كتب أطفال إلى أن مصطلح «الكتاب النموذجي» يبقى نسبياً.

وإذا أردنا تطبيق هذا المصطلح يجب أن يتوفر: الكاتب النموذجي والرسام النموذجي والقارئ النموذجي من أجل تحقيق هذه المعادلة. فالكتابة موهبة بحاجة إلى صقل ورعاية واستكشاف لأنها تولد مع الطفل، قد تستمر أو تندثر حسب البيئة التي يعيش فيها الطفل والمحفزات التي يتلقاها. وحيّا المشاركون في الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال مبادرة مؤسسة محمد بن راشد بإطلاق بإصدار 100 ألف كتاب طفل في مختلف أنحاء العالم العربي من أجل غرس حب القراءة في نفوس الأطفال ودعم مسيرة التنمية العربية.

منعطف

ما الذي يرهق الاطفال ؟

ما الذي يدهش الأطفال؟ سؤال طرحه المشاركون في الندوة وحاولوا الإجابة عليه طيلة الوقت. ونبهوا إلى أن عصر الشاشة يعتبر منعطفاً خطيراً، وتساءلوا: كيف سيكون شكل الكتاب المقبل في ظل التطورات التقنية الجديدة؟

وللتأكيد على فعل القراءة: قال أحد المشاركين مازحاً: إذا كان القول يؤكد على أن الإنسان حيوان ناطق فإنه أصبح الآن حيواناً قارئاً. ولعلنا نسأل: ماذا يريد الأطفال منا؟

قال أحدهم بأن الأطفال يقفون أمام 1215 دار نشر كتب أطفال و 4501 كتاب أجنبي للأطفال في معرض الشارقة للكتاب ويأتون حاملين من 50 إلى 100 درهم لشراء الكتب والتمتع بمشاهدات المعرض. وشاركت نحو 100 دار إماراتية في المعرض، وهي تقدم قاعدة معلومات هامة لا يمكن تجاهلها، ومنها دور متخصصة في أدب الأطفال. وتكاد معظم دور النشر العربية المختصة بإنتاج كتب الأطفال مشاركة هذا العام.

ولكنهم ركزوا على النوع وليس على الكم. وأشار بعضهم إلى أن الكبار يجهلون الكتابة للأطفال، لذا ينبغي أن نقتدي بالمقولة التي تقول «اعرفوا الطفولة»، كما قالت منى محمد علي الشيخ، أستاذة مختصة بالمكتبات في جامعة المستنصرية في بغداد، وأضافت: لأننا نعيش في عالم غير عالم الطفل، حيث تكبر الفجوة بين عالمي الكبار والصغار لذا يجب أن نبذل جهوداً من أجل فهم عالمهم.

شاكر نوري