أكد الدكتور محمد القليوبي استشاري الأمراض النسائية والعقم وعضو الجمعية الأميركية للخصوبة بمركز دبي للأمراض النسائية والإخصاب أن تأخر الحمل يعد ظاهرة متفشية في الآونة الأخيرة مقارنة بالسنوات العشر الماضية، وذلك بسبب عدة عوامل متداخلة تؤثر على عملية الإنجاب، وسلط الضوء على الأسباب والظواهر التي تحد من إكمال الخطة العلاجية للمرضى، مطالبا بضرورة تكاتف الجهات المختلفة للنهوض بالتوعية الصحية ونشرها بين الشباب، وفيما يلي نص الحوار:

هل هناك مؤشرات تدل على تأخر الحمل وما هي أسباب انتشاره في المجتمع؟ إن العوامل البيئية المتغيرة تؤثر على الخلايا وطريقة الوظائف الحيوية في جسم الإنسان ولها تأثيرات سلبية تزيد من احتمالات عدم الحمل، ومن أسباب تفشي ظاهرة تأخر الحمل في الآونة الأخيرة مقارنة بالسنوات العشر الماضية تأثير العوامل البيئية التي يأتي من أهمها المؤثرات الصناعية والأدخنة المنتشرة في الجو وتلوث الهواء والموجات الصوتية. لافتا إلى انه لا توجد دراسات تبين مقدار تأثيرها على الإنسان، إنما مجموعها بالإضافة إلى الضغوط النفسية تؤثر سلبا، بالإضافة إلى الجوانب الاجتماعية ومنها تأخر الزواج بسبب وضع الدراسة والحصول على وظيفة، إلى جانب سن الزوجين، حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن درجة الخصوبة لدى المرأة تقل عند تقدمها في السن، كذلك بالنسبة للرجل.

بالإضافة إلى العادات الشخصية لها تأثير مباشر على تأخر الحمل مثل عدم ممارسة النشاط الرياضي والوزن الزائد، وغياب الوعي الصحي وعدم متابعة الحالة لدى الطبيب منذ البداية تقلل من نسبة حدوث الحمل باعتبارها تراكمات لسنوات طويلة. ومن أكثر نسب الأمراض انتشارا بالنسبة للسيدات مرض تكيس المبيض ومرض بطانة الرحم المهاجر، إلى جانب وجود نسبة كبيرة من الرجال لديهم ضعف يتراوح بين البسيط والشديد، مؤكدا أنها ليست أسبابا للعقم ولكن غالبية الحالات التي ترد إلى المركز تتشابه في طبيعة الأمراض المذكورة.

طرق العلاج ودور الطبيب

ما دور الطبيب في تشخيص الحالة وإعطاء العلاج؟

بات من الضروري على الطبيب احتواء الحالة المرضية من كافة جوانبها عند إعطاء العلاج ووضع خطة متكاملة للمريض لأجل الوصول إلى التشخيص الصحيح، ولا يقتصر دور الطبيب المتخصص في النظر إلى المعوق لعملية الإنجاب ومحاولة علاجها، إنما يجب الأخذ بعين الاعتبار تأثير المرض على المدى البعيد وتوضيح طبيعة المرض.

ومن أسس التعامل بين الطرفين الوعي الصحي وثقة المريض بالطبيب من حيث إلمامه بجميع المعلومات اللازمة حول طبيعة المرض وخطورته وطرق العلاج، منها على سبيل المثال مرض تكيس المبيض الذي بإمكانه أن يعوق الحمل أو يسبب إجهاضات خلال الحمل، وهنا يقتضي تدخل الطبيب في اتخاذ الموضوع من كافة جوانبه وإعطاء المريضة العلاج المناسب لمساعدتها على الحمل والإنجاب ومنع حدوث أية مضاعفات مستقبلية من هذا المرض.

وهناك أمور كثيرة غير واضحة لبعض المرضى الذين يأتون لتلقي العلاج، منها الإحساس بالتغلب على المرض عند تحقيق رغبتهم في الإنجاب، في حين تظهر أعراض مستقبلية لأمراض أخرى نابعة من المرض السابق، وهنا يجب تدخل الطبيب في ضرورة إعطاء المريض درجة عالية من الإيضاح وإيصالها إليه بصورة مبسطة ومناقشة احتمالات نجاح العلاج وفشله باعتبارها عملية مشتركة بين الطرفين.

ما الأسباب التي تؤخر عملية العلاج أو تحد من إكمال الخطة العلاجية؟

من ضمن الأمور الواردة غياب الثقة بين الطرفين والانتقال من طبيب إلى آخر، وهي ظاهرة واضحة في المجتمع حيث يفضل المريض بدء مرحلة جديدة من العلاج عند طبيب آخر، ومن بين الحالات التي نصادفها في المركز عدم إلمام المرضى بطبيعة المرض بالرغم من أخذهم العلاج في مراكز أخرى، إلا أن المركز يفاجئ بعدم إرفاقهم للتحاليل والتقارير التي تبين نوع المرض وهم في الغالب صرفوا مبالغ كبيرة للعلاج ويضطرون لبدء العلاج من جديد أو البحث عن الطبيب السابق الذي غالبا ما يكون مسافرا أو في إجازة، ما يؤخر عملية العلاج.

لذا أود أن انوه بأهمية الاحتفاظ بالفحوصات السابقة والتقارير الطبية في جميع الحالات خاصة عند الذهاب إلى طبيب آخر تفاديا لمعاودة بدء العلاج من جديد. كما أن عددا كبيرا من المرضى يجهلون اسم الدواء الذي يستخدمونه، ما يجبر الطبيب على إعطاء العلاج من جديد، وأطالب بنشر الوعي الصحي بالنسبة للمرضى وفهم طبيعة المرض وأسباب اخذ الدواء ومدة العلاج والخطوة التي تلي مرحلة العلاج.

سرية المعلومات

ما دور المركز في الحفاظ على سرية المعلومات؟

يتعهد المركز بالحفاظ على البيانات الشخصية للمرضى في سرية تامة ولا يستطيع أي طبيب آخر الاطلاع أو الكشف عن المعلومات أو تحاليل المرضى والملفات بسبب النظام الخاص الذي أعدته هيئة الصحة والمنفصل تماما عن المراكز والمستشفيات التابعة لها حفاظا على السرية، وبالرغم من الثورة الالكترونية التي يشهدها المجتمع في الوقت الراهن، لا يستطيع الطبيب المعالج في المراكز والمستشفيات التابعة للهيئة الدخول إلى نظام المركز باعتباره مستقل بذاته، ويأتي تعامل الهيئة من منطلق حرصها على خلق السرية الخاصة للمرضى وإدراكها لخصوصية الأمر.

وينبغي على الطبيب أن يكون أمينا على أسرار المريض احتراما لرغبة المريض الذي لم يأذن له في إطلاع غيره على ذلك، على اعتبار أن في هذا المجال يكون حفظ سر المريض أمر مشدد ويتوجب نحو العاملين في المركز من المؤاخذة أكثر من غيرهم، ويقتضي أصل عملهم تخفيف معاناة المريض والسعي لراحته.

ومن ضمن الأمور التي تؤخذ بعين الاعتبار منها احترام رغبة المريض في عدم ذكر تفاصيل الحالة في التقرير وتعد حالات استثنائية، والتي من شأنها التأثير في تلقيه العلاج مستقبلا، إلا أن رغبة المريض تعد في المقام الأول، ويتم تنبيهه بضرورة شرح حالته الصحية أمام الأطباء الآخرين باعتبارها لم تدون في التقرير بناء على رغبته.

ومن بين الحالات الواردة في المركز اهتمام المرضى ممن نجحت معهم خطة العلاج بتوجيه أصدقائهم أو أقاربهم للطبيب الذي تلقوا عنده العلاج من مبدأ الثقة المتبادلة بين الطرفين، ويحدث أن يستفسر بعض الأشخاص عن حالة المرضى السابقين للاطمئنان على نجاح العلاج، إلا أن مهنة الطب تحتم على الطبيب إخفاء طبيعة المرض وعدم إفشائها للآخرين باعتبارها تدخل في نطاق أعراض الناس ويجب أن تحترم بهذا القدر، ولا يقتصر الأمر على المرضى المسلمين، إنما لكل حالة خصوصيتها سواء كانت عربية أو أجنبية.

ما رأيكم في مسألة التردد في طلب العلاج؟

إن التردد في طلب العلاج يختلف باختلاف نسبة الوعي في المجتمع، حيث إن التطور الحاصل واختلاف المفاهيم ساهما في تقليل نسبة المرضى المترددين في تلقي العلاج، ويشهد الواقع إدراكا للناس بأن مسألة عدم الإنجاب لا تقلل من شأن المرأة وهو مرض يبتلي به الله الإنسان، ولكن تبقى نسبة قليلة من الرجال لا تقبل الاعتراف أو التوجه لطلب العلاج، إلا انه يتم التوصل إلى حلول بالتفاهم والإقناع.

التوعية الصحية

ما دور المركز في توعية المجتمع وتثقيف الشباب؟

أن التوعية الصحية تتطلب مجهودا من كافة الجهات لتقديم المعلومات للشباب، إلى جانب أهمية التركيز على إرشادات التوعية والأوراق الصحية التي توزع في العيادات والمراكز الصحية وعقد ورش عمل وبرامج على مستويات عالية تتضمن مناقشات ومحاور بحضور طبيب متخصص لفتح مدارك الشباب في الجامعات والمدارس الثانوية.

ويولي المركز أهمية في توعية المراجعين من خلال نشر الكتيبات التثقيفية والتعاون مع الجهات المختلفة في المشاركة في الندوات والبرامج، وبالرغم من انتشار المعلومات الصحية الواسع، إلا أن وسيلة الحصول على المفيدة منها يستدعي المعالجة والتدخل، بالإضافة إلى تكثيف المحاضرات النسائية، حيث أن المجتمع بحاجة إلى الحصول على المعلومات بأسلوب مبسط ويجب الالتفات إلى متطلبات الناس في البيئة المحلية.

ويستقبل المركز نسبة كبيرة من المرضى تأتي لتلقي العلاج من خارج الدولة وتغادر، ونسبة كبيرة تتراوح ما بين 30 إلى 40 % مواطنين والباقي من الجاليات المقيمة في الدولة. وتعنى خدمات المركز بصحة المرأة وعلاج الأمراض النسائية واضطرابات الهرمونات في المرأة المتعلقة بالدورة والإخصاب والحمل والإجهاض عموما.

إلى جانب الاضطرابات التي تحصل نتيجة الهرمونات مع سن البلوغ أو اليأس، والعمليات والمناظير الجراحية المتعلقة بالحمل وغيرها والإخصاب المساعد بكل أنواعه بما في ذلك الكشف على الأمراض الوراثية ومتابعة الحمل في الأشهر الأولى وإجراء الفحوصات للتأكد من صحة الجنين وعدم وجود التشوهات.

كما يتم تحويل الحالات حسب رغبة المريض في استكمال العلاج في المستشفيات الحكومية والخاصة داخل الدولة، ويتم إعطاء تقرير كامل ومفصل لمتابعة العلاج مع الأطباء الآخرين، وهناك حالات تأتي لتلقي العلاج في المركز وتتابع الحمل والولادة خارج الدولة، ولا تتوقف عملية التواصل مع المرضى، إنما لا يتم دور الطبيب كالمراقب الأول على الحالات.

ويقوم المركز في الفترة الجارية بالتحضير للانتقال إلى مبنى جديد في مدينة دبي الطبية، ويتأهب المركز لاستقبال المرضى خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وسيستقطب أجهزة حديثة تتماشى مع المستويات المتطورة في العالم وسيقدم خدمات متقدمة منها تجميد الأجنة بمستوى عالمي، إلى جانب ابتعاث الأطباء إلى الخارج للاستفادة من الخبرات العالمية في مجال العمل على التقنيات الحديثة في إطار تطوير مستوى الأداء.

كما سيقوم المركز بتطبيق كافة التجارب التي أثبتت فاعليتها وكفاءتها في الدول المتقدمة من خلال استقطاب الكوادر الطبية ذات الخبرة من الخارج لتدريب الأطباء. وطور المركز عدة أمور لزيادة فرص الحمل منها الإحصائيات الدورية للتعرف على ما تم انجازه ومواكبة العلاجات المقدمة بالدراسات الحديثة للحيلولة دون حدوث الخطورة.

ودعا الدكتور القليوبي إلى الاهتمام بالصحة خلال فترة الشباب وعدم التفريط بها لتأثيرها على الإنجاب ورعاية الطفل على المدى البعيد، ويجب عدم تجاهل العلامات غير الصحيحة التي تظهر لفترات طويلة مثل تأخر الدورة الشهرية وزيادة نمو الشعر في الجسم، لافتا إلى أهمية إجراء الفحوصات المبكرة للفتيات لإبعاد شبهة الأمراض، وقال انه المركز يتلقى حالات متأخرة ومعقدة تعد تراكمات لأمراض سابقة.

إضاءة

بلغ عدد المرضى الذين استقبلهم المركز 1700 مريض تقريبا خلال العام المنصرم، بلغت نسبة المواطنين منهم 40%، وبلغ عدد الحالات التي أجريت لها إخصاب مساعد 730 حالة، في حين تمت معالجة الآخرين والذين يشكلون نسبة 50% لتحريض الاباضة.

وتوضح الإحصائيات أن نسبة الحمل المتعدد التي تمت في المركز كانت عالية منذ 5 أو 6 سنوات، إلا أنها انخفضت في السنوات الأخيرة، ولكن نسب الحمل ارتفعت للضعف، وأن المركز بصدد عمل إحصائيات توضح نسب النجاح بالنسبة لأعمار الرجال، حيث تؤكد الدراسات أن هناك فرقاً بين سن السيدات والرجال.

وأشار إلى أن المركز يهدف إلى تزويد فرص الحمل للناس والاهتمام بصحة الحامل بعيدا عن التركيز على حدوث الحمل بوجود مضاعفات تؤثر على الحامل وتؤدي إلى الإجهاض.

نادية إبراهيم