ارتفاع أسعار المواد الغذائية أصاب معظم فئات المجتمع، وأثر بشكل كبير في دخل الأسرة وبالتالي على سلوك الأسرة فيما بينها وبين المجتمع، بل يمكن القول إن من آثار هذا الارتفاع على شرائح كثيرة من المجتمع، حدوث الكثير من المشكلات الاجتماعية والأسرية، وبروزها أكثر في مجتمع الفقراء، أو بين فئات النشاط الحر .
وهي فئة غالبة ومؤثرة في المجتمع، مثل البنائيين والعمال العاديين من الزراعيين وممتهني المهن البسيطة، وكل هذه الفئات تتأثر مباشرة بأي زيادة في الأسعار، كما يشكل ذلك عبئاً مباشراً على ميزانية الأسرة التي تكون مطالبة بأقلمة نفسها مع الوضع الجديد بعد كل زيادة تحصل في الأسعار، والتأثير هنا يكون ليس على زيادة النفقات ومدى تناسبه مع زيادة الأجور، بل أيضا على وعي الأسرة وثقافتها الاستهلاكية في مواجهة ذلك الطوفان من خلخلة ميزانية الأسرة.وعليه نجد أن رد فعل الأسرة المثقفة والواعية يختلف عن رد فعل الأسرة غير والواعية، وهنا نشير إلى أن الوعي الاستهلاكي ليس دليله الثقافة العلمية فقط ولكن أيضا الوعي الاجتماعي الاقتصادي الاستهلاكي، إذن ظاهرة ارتفاع الأسعار أصبحت مشكلة تؤرق الكثير وتقلق أرباب الأسرة والفقراء.
وبسببها أصبح يعانى الكثيرون في عصرنا الحالي من القلق النفسي والتوتر وعدم القدرة على التوافق النفسي والاجتماعي، ومع تزايد تناقضات هذا العصر وإحباطاته وتعدد الأزمات والضغوط المادية والاجتماعية، وكثرة وتعقد المشكلات النفسية التي يواجهها الفرد، أصبح الإنسان ملزما بالبحث عن حلول لمشكلاته النفسية بنفسه.وأن يبذل الكثير من الجهد كي يعالج آلامه النفسية وقلقه واضطراباته باتباع أساليبه الخاصة وربما باقتراحات المحيطين به، إذن المشكلة قائمة والداء منتشر ومتمثل في استمرارية الارتفاع.والأوضاع الأسرية والفردية مازالت تعاني حتى اليوم، كل هذه القضايا المتشابكة، كان لابد من طرحها أمام عدد من علماء الطب النفسي والعلاج النفسي للبحث في الحالة النفسية التي يمكن أن يصيب بها ارتفاع الأسعار المتزايد، الكثير من الأفراد وأرباب الأسر، بل والأسر نفسها حين تخترقها المشاكل بسبب عدم تكيفها مع واقع الغلاء المستشري في كافة الاحتياجات الضرورية للإنسان.
الغلاء مفتاح القلق يؤكد الدكتور علي الحرجان استشاري الطب النفسي أن لغلاء الأسعار تأثيرات سلبية كثيرة، نفسية وصحية وأسرية واجتماعية، وذلك على مستوى الفرد والمجتمع، فعلى مستوى الفرد يؤدي الغلاء إلى القلق النفسي والخوف من المجهول والتوتر وازدياد الاضطرابات، وعلى المستوى الجسدي يؤدي إلى مشاكل مثل الاعتداء وأيضا الشعور بالشد العضلي، أما على مستوى الأسرة فإن ذلك يؤدي إلى مشاكل بين أفرادها لكون المتطلبات أصبحت كثيرة فكلما زاد عدد الأفراد كلما كثرت حاجاتهم .وبالتالي أصبح ذلك عبئاً على رب الأسرة، كذلك على مستوى العلاقات الاجتماعية فبسبب الغلاء يخلق التنافس وغالبا التنافس غير الشريف، وسلوك بعض ذوي النفوس الضعيفة لتصرفات غير أخلاقية، مثل الغش والاحتيال، وكل هذه العوامل هي بسبب الصعوبات المادية والتي تدفع بالبعض مثلا إلى الالتجاء للسرقة، أو تناول الكحول بسبب الإحباط والفشل في عدم قدرة هذا الشخص على الإيفاء بالتزاماته الأسرية او حتى تجاه نفسه.
وهذه الحالات وغيرها تأتينا إلى العيادات بحثا للعلاج، وقد اكتشفنا خلال السنتين الأخيرتين تزايد أعداد المراجعين للعيادات والمستشفيات، وهذا كما قلت لعدة عوامل أحدها وأكبرها الوضع المعيشي وارتفاع الأسعار، بينما نجد أن كثيراً من الدول الأجنبية خاصة التي تهتم بالدراسات واستقراء أوضاع مجتمعاتها، أن الحلول دائما تكون موجودة، فهم هناك يعتنون بالأسر والأفراد من حيث توفير السكن المناسب لهم والرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية، ومعالجة أي ارتفاع في الأسعار في حينه،.
وإذا نظرنا لمثل هذه الحلول العملية وانعكاسها الايجابي على مجتمعاتهم لوجدنا من جانب آخر أن حكوماتهم توفر هذه الاحتياجات لهم، مقابل التقليل من نسب الجريمة وجريمة الاعتداء بشكل رئيسي والسرقات، وعموما فإن الغلاء يشعر به الجميع سواء كان غنيا كان أم فقيرا، ولكن بتفاوت وبنسب معينة، ويمكن القول ان الكل يتأثر بسببه.
مشكلات سلوكية
ترى سناء عبد العظيم موجهة رعاية نفسية في وزارة التربية والتعليم أنه أصبح من المؤكد أن غلاء الأسعار، له انعكاسات سلبية، ويصيب الكثير بالقلق والتوتر والصراع النفسي.
وأيضا الشعور الدائم بالخوف من المجهول، وهذه عوارض نفسية لها مسبباتها ودوافعها، خاصة في ظل مثل هذه الظروف التي أصبح الإنسان يعاني منها، مثل ارتفاع الأسعار بشكل مفاجئ، وضغط ازدحام المرور وغيرها من المشاكل الأخرى.
والغلاء إذا نظرنا إلى تأثيره السلبي على الأسرة خاصة الأسر البسيطة أو من ذوي الدخل المحدود، أو الأسر الكبيرة بعدد أبنائها، فسوف نرى أن الضغوط النفسية والحالة النفسية الصعبة، غالبا ما تصل بالأسرة إلى مشاكل كثيرة مثل المشكلات السلوكية بين الأولاد والشعور بالنقص، بل وربما يصل الأمر بهم إلى الحقد والكراهية، أما بالنسبة للزوج والزوجة فغالبا يصلون إلى مرحلة الفراق والطلاق، فالمشكلة هنا لا تكمن فقط في ارتفاع أسعار المواد الغذائية ومتطلبات الأسرة.
وإنما إلى ارتفاع الإيجارات بشكل مخيف، التي أصبحت اليوم تمثل عبئاً كبيراً على جميع أفراد الأسرة، وهناك ارتفاعات شملت الاحتياجات الضرورية التي يحتاج لها الإنسان مثل الكهرباء والماء والوقود «بنزين السيارات»، إذن هناك مشكلات كثيرة لها عوامل نفسية وصحية تصيب الفرد والأسرة، وتعكس مدى الضرر الذي سوف يصيب شرائح كثيرة إذا ما استمر ارتفاع الأسعار.
ولم تجد حلولا عملية لها، وهنا أخالف القول أن الغلاء لا يشعر به إلا الفقراء وذوي الدخل المحدود، فالغلاء يعاني منه الجميع، ولكن بنسب مختلفة، وحتى الأغنياء لابد من أنهم يشعرون بوجود الغلاء، ولكن بمقدورهم تجاوز سلبياته وانعكاسه عليهم وعلى أفراد أسرهم، ولكنهم في اعتقادي ليسوا منقطعين عن المجتمع.
البحر يؤكد
أكد إبراهيم البحر مساعد المدير العام لجمعية الاتحاد التعاونية على ان الجمعية تبيع كافة منتجاتها في كافة الفروع التابعة لها، بأسعار جدا مرضية وبفائدة أقل بكثير، وهي سياسة تتبعها باستمرار، فمثلا كيس الأرز الباكستاني وزن 40 كيلو يباع حاليا بـ 145 درهماً، وقد ثبت سعره ولا رجعة بذلك، بينما يباع الأرز في أماكن أخرى بضعف هذا المبلغ.
وفي رمضان الماضي كانت توجيهات وسياسات مجلس الإدارة وضع خطة إستراتيجية لتوفير السلع الأساسية بالاستيراد مباشرة من الخارج والتنسيق مع السوق المحلي، وتثبيت أسعار السلع الأساسية والبيع بسعر يقل عن تكلفة شرائها أو بسعر الشراء في بعض الأحيان، كما تضمنت حملة عيد الفطر والتي شملت 32 سلعة متنوعة بيعت بأسعار أقل من سعر التكلفة بنحو 25% .
وأضاف: حرص مجلس الإدارة منذ إنشاء مكتب الاستيراد عام 2002 على فكرة الاستيراد المباشر، بإنشاء مكتب خاص تابع لإدارة الجمعية، ويحظى بمتابعة ورعاية من قبل المجلس وفق استراتيجية وخطة مدروسة لتوفير البدائل والحد من ارتفاع الأسعار وخاصة السلع الأساسية والتي ارتفع عددها إلى 300 سلعة.
الضغط النفسي أساس الأزمات
تقول الدكتورة منى البحر أستاذ بجامعة الإمارات: من الأسباب الرئيسية التي يعاني منها الإنسان في عصرنا الحالي، أمراض الضغط النفسي التي تؤدي إلى نشر أمراض عديدة منها ضغط الدم والسكر والسرطان، وأمراض أخرى مختلفة تصيب جسم الإنسان، وقد أثبتت الدراسات أن معظم هذه الأمراض سببها الضغط النفسي والذي هو أساس الأزمات الاقتصادية، فكثير من هذه الأزمات بما فيها أزمة ارتفاع المواد الغذائية، كانت بسبب تحمل الإنسان سواء كان فردا أم رب أسرة لأعباء فوق طاقته.
وبالتالي فإن هذه الأمراض التي يتعرض لها الإنسان، تحمل الدولة ميزانيات مذهلة، فهي من ناحية تقوم بتوفير العلاج والأطباء والمستشفيات، مع أن الأسباب لهذه الأمراض واضح جدا، وهذا ليس السبب الوحيد فهناك أزمات اجتماعية وأسرية، تسببها هذه الظاهرة التي أصبحت مؤخرا تأخذ شكلا بارزا بعد اختفاء الرقابة والمحاسبين للجشعين والغلاة في الأسعار، أعود ثانية وأقول أن تأثر هذه الظاهرة يصل أيضا إلى داخل الأسرة فيخلق الخلاف فيما بينها.
ويعجز رب الأسرة عن توفير البيئة المناسبة لأبنائه سواء كان من حيث التعليم والصحة او من حيث توفير الغذاء المناسب لهم، وعلى كل حال يتعرض الإنسان في حياته لعديد من المشكلات والصعوبات، فليست أمور الحياة كلها سهلة، فالإنسان يجد معاناة وشقاء، وكل هذه الصعوبات غالباً ما تجعل الإنسان في انفعال دائم وتوتر وغضب،.
وهذا يؤدي إلى اضطراب في صحته النفسية والبدنية، وبالتالي يؤثر على الأسرة بشكل عام خاصة عندما يكون رب الأسرة متحملاً لكل أعباء البيت والأبناء والزوجة، إلى جانب ما يترتب عليه من التزامات أخرى داخل البيت وخارجه، والصعوبة تكمن ليس فقط في الغلاء الذي عم كل شيء ولكن أيضا في مستلزمات الحياة نفسها.
جميل محسن



