هل الخطاب البيئي بخير في دولة الإمارات؟ هذا ما حاولت ندوة «الحوار الفكري في الشأن البيئي: الخطاب البيئي العربي، مشكلاته وآفاقه» الإجابة عليه حيث إن هذا الأمر لم يعد مسؤولية هيئات البيئة فحسب بل مسؤولية الجميع.
وأقيمت هذه الندوة الهامة على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب، من قبل هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالتعاون مع دائرة الثقافة ولجنة التوعية والتثقيف البيئي في الشارقة حيث شارك فيها نخبة من المسؤولين والباحثين والمختصين: عبد العزيز عبد الله المدفع، رئيس هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، أياد محسن الطائي، المدير التنفيذي لدورية التنمية المستديمة، وحبيبة المرعشي رئيسة مجموعة الإمارات للبيئة، إسلام أبو شكير، أديب وناقد وسعيد البرغوثي، ناشر. أشار عبد العزيز المدفع، رئيس هيئة البيئة والمحميات في الشارقة، إلى ضرورة تفاعل الخطاب البيئي مع القضايا الاجتماعية والسياسية في المجتمع الإماراتي بتضافر جهود المؤسسات البيئة من أجل تسهيل مهمة الإعلامي وتوصيل المعلومة بشكلها الأمثل. وتساءل: لماذا يتكاثر الإعلاميون المختصون في الرياضة بينما يتضاءلون في مجال البيئة؟
ويرى أن ذلك يعود إلى قلة الوعي بالدرجة الأولى. وهناك صحف تنشر في صفحاتها الأولى للترويج عن مواد مضرة بالصحة مثل وجبات «فرايت جكن» السريعة دون الاهتمام بنتائجها السلبية.وأشار المدفع إلى أن الحديث عن البيئة كثيراً ما يغيض أصحاب القرار من المسؤولين عن هذه المؤسسة أو تلك لارتباطها بمصالحهم ولكن الوعي البيئي تتحمله الوسائل السمعية والبصرية بكافة أشكالها.
كما أن الوعي البيئي مسؤولية دينية وفكرية وأخلاقية إزاء الأجيال القادمة لأننا نستغل الموارد الطبيعية بشكل جنوني دون التفكير بهم لذا ينبغي إيقاف المشروعات التي من شأنها أن تضر بالبيئة في الإمارات بل بالمحيط العربي بكامله. وكل ذلك لا يمكن أن يتم دون الارتقاء بالخطاب البيئي إلى مستوى المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والدينية..
وأوضح عبد العزيز المدفع إلى أن الشارقة تحتفل بالذكرى العاشرة لتأسيس هيئة البيئة والمحميات الطبيعية. وفي حديثه حمّل الإعلاميين مسؤولية الوعي البيئي حيث ركز على وجود الفرق بين إعلاميين مؤمنين بالبيئة ورسالتها الإنسانية والأخلاقية وبين إعلاميين وظيفيين يتداولون الخبر مثل الأخبار الأخرى.
وأكد على أن هيئة البيئة لا تستطيع العمل لوحدها دون دعم المؤسسات الأخرى حيث تشاركنا مؤسسات عديدة للحفاظ على البيئة على الرغم من أن المسؤولية تقع على عاتقنا أولاً وأخيراً، ويأتي هذا الشعور من أننا نعمل من أجل الأجيال القادمة والدفاع عن حقها في العيش في بيئة صالحة.
مسؤولية مشتركة
اياد محسن الطائي، المدير التنفيذي لدورية التنمية المستدامة، أكد على دور الثقافة والمعرفة في كل قطاع وخاصة قطاع البيئة، وتمتد المسؤولية من رب العائلة إلى مدير الشركة وإلى أصحاب القرار في أعلى الهرم السياسي حيث لا تكمن المشكلة البيئية في توفير الموارد الطبيعية فقط بل في تهيئة الكادر المعرفي القادر على التعامل مع مشكلات البيئة.
وقال: انظروا إلى تلوث الهواء، ما أن يقطع المرء كيلومترين حتى يشعر بالاختناق من دخان السيارات وخاصة في المدن المزدحمة مثل دبي. إن موضوع التلوث يفضي بنا إلى ضرورة توفير المعرفة من أجل القضاء عليه، ولنبدأ بالأطفال الذين هم أساس كل معرفة في هذا المجال. وعلى الرغم من وجود 20 موسوعة تثقيفية بيئية صادرة عن اليونسكو وانعقاد العديد من المؤتمرات فإن تحسين عملية اتخاذ القرار هي الحاسمة في هذا الأمر.
وشدد على أنه في مجال البيئة، يمكن للإمارات أن تعلب دوراً هاما بل رائداً يمكن أن يكون نموذجاً للبلدان الأخرى في المستقبل، من خلال ما تمتلكه من موارد غنية وعقول متفتحة. وفي سبيل قياس تقدمنا في مجال البيئة، يجب توفير عملية التوثيق لتكون مرجعاً لواقع حالنا ولكي نتعرف عن الشوط الذي قطعناه في هذه المسألة أو تلك. ولكننا في الدول النامية نفتقر إلى قاعدة معلومات في مجال البيئة، وهذا ما يعيق كل الجهود المقدمة في هذا المجال وللأسف الشديد.
إسلام ابو شكير، أديب وناقد، ذهب إلى عكس ذلك بقوله إن المفاهيم البيئية حالياً أكثر حضوراً من السابق، ازدادت فيها درجة الوعي ولابد من استحداث مادة متخصصة بالشأن البيئي، وهو ما نطلق عليه «التربية البيئية» لكن المدارس في الإمارات تسعى إلى بث المفاهيم البيئية في علوم مختلفة كالأحياء والجغرافيا وغيرها.
ولا ضير من التوسع في بث الوعي البيئي في اللغة العربية وعلم الاجتماع والنفس وكذلك الرياضيات والفيزياء. وفي هذه الحالة قد نصل إلى نتائج مرضية. ويمكن معالجة مشكلة «الاحتباس الحراري» في قصيدة جميلة أو قصة قصيرة وعدم تعميم الوعي البيئي بطريقة مباشرة من خلال التركيز على المخاطر والترويع والتنفير والإنذار من النتائج الكارثية بل يجب ممارسة التوعية البيئية بطريقة ايجابية كي لا تؤدي إلى نتائج عكسية.
القائمون على التوعية البيئية: جهودنا سباحة ضد التيار
في الوقت الذي يحتل فيه الموضوع البيئي تلك المكانة الحساسة في ضرورة التعامل معه بحزم نجد الكثيرين من العاملين في حقل التوعية البيئية يقفون موقف المستريب من جدواها والمستصعب لخطواتها.
في يعزو آخرون تناقص الوعي البيئي إلى أزمة الكتاب عامة، وليس إلى عدم توفر الكتاب البيئي. ويؤكدون على أن عدد دور النشر المهتمة بالبيئة ضئيل، ويردون السبب في ذلك إلى عدم إقبال القراء على شراء الكتب البيئية مما يؤدي إلى خسارة الناشر وعزوفه بالتالي عن نشرها، وبرأيهم لا بد من استخدام الردع لمن يخترقون قواعد البيئة.
حيث أكدت حبيبة المرعشي، رئيسة مجموعة الإمارات للبيئة أن دولاً تخصص نسبة تقارب الـ 5 بالمائة من دخلها القومي للأبحاث العملية في الوقت الذي لا تخصص فيها دولنا أية نسبة، وهو ما يؤسف له حقاً. وركزت المرعشي على الطفولة والناشئة التي تقف أمام تحديات العصر، وأشارت إلى أن الإمارات تعيش في مجتمع يحتوي على 200 جنسية تقريباً، وهذا ما يزيد عملنا البيئي صعوبة وتعقيداً، وكأننا نسبح ضد التيار لأننا سرعان ما نعود إلى المربع الأول عندما يتغير السكان وتذهب جهودنا في التوعية سدى.
وأكدت على أن المؤسسات التعليمية الحكومية تضعنا في المؤشرات السلبية لأنها لا تولي الاهتمام الكافي بالبيئة إلا من خلال همها في التركيز على الشكليات مثل الحصول على شهادات التقدير أو الجوائز.
وليس على الحصول على القاعدة المعرفية الضرورية لإدامة الحفاظ على البيئة. وأضافت بأننا نلاحظ أن وسائل الإعلام المرئي والسمعي والقنوات الفضائية لا تولي البيئة الاهتمام المطلوب ولا تقدر حجم مخاطره على البشر وتمتلئ بأنواع المجلات والمطبوعات التي تهين الإنسان العربي بل وتلهيه عن التوعية الصحيحة حيث لا تأخذ البيئة حيزاً هاماً فيها بل وتصل نسبتها إلى درجات دنيا لا تتعدى الـ 1 بالمائة من برامجها.
من المسؤول عن هذا التردي؟ هناك من يقول: إن المسؤولية تقع على أصحاب القرار، وأنا أتساءل: من هم أصحاب القرار؟ وأجيب بكل صراحة: الكل أصحاب القرار. لذا يجب توفير المعرفة والتوعية في هذا المجال حتى يشعر الجميع بالمسؤولية.
وقد بدأنا منذ عام2001 بعمل ورش عمل للطلبة، باعتبارنا منظمة من منظمات المجتمع المدني وأطلقنا حينها حملة «تنظيف الإمارات» لكن مجتمعاتنا غائبة عن هذه المبادرات الطوعية، ثم أشارت المرعشي إلى أهمية اهتمام المنهج المدرسي بالبيئة، لا من خلال تخصيص مادة معينة بل من خلال جعلها منتشرة في كافة المواد.
وقد أقامت مجموعة الإمارات للبيئة العديد من التظاهرات منها «العيش الأخضر الصديق للبيئة» حيث تفاعلت معها 93 مدرسة حكومية وخاصة من مختلف إمارات الدولة.
وأضافت: أجرينا مسابقة الخطاب البيئي في الجامعات وانضم إلينا طلبة من كافة أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي بلغ عددهم 400 طالب، وخصصنا جوائز عبارة عن دروع تماماً مثل جوائز كرة القدم من أجل التحفيز. وطرحنا موضوعات تخص البيئة مثل: عالمنا بعد 100 عام، والبحار حياتنا، والطاقة النظيفة وغيرها.
التربية البيئية
يعزو سعيد البرغوثي، ناشر، تناقص الوعي البيئي إلى أزمة الكتاب عامة، وليس إلى عدم توفر الكتاب البيئي. وحين نقوم باستطلاع عن عدد دور النشر المهتمة بالبيئة نراها ضئيلة، ويعود السبب في ذلك إلى عدم إقبال القراء على شراء الكتب البيئية مما يؤدي إلى خسارة الناشر وعزوفه بالتالي عن نشرها. لا بد من استخدام الردع لمن يخترقون قواعد البيئة ولهذا يجب أن يوجد أناس في هرم السلطة يؤمنون بالبيئة.
والمعروف أن قضية البيئة ليست قضية محلية بل هي عالمية وكونية في صميمها والخطر آت من الدول الصناعية الكبرى الذي أدى جشعها إلى بث سموم مصانعها في الدول النامية التي لم تعد بمنأى عن تأثيراتها السلبية.
ثم أضاف وأنا أتساءل: من المسؤول عن ثقب الأوزون أو الاحتباس الحراري؟
لا بد إذاً من التصدي لهذه الظاهرة العالمية ووضع حد لمن يسعى إلى تخريب الكرة الأرضية. لذا ينبغي اقتراح يوم للبيئة ليكون نموذجاً لتفعيل عمل الجمعيات المتخصصة في الحفاظ على الأرض التي نعيش فوقها.
شاكر نوري
تصوير: محمود بنيان راشد

