في صوتها بهجة وحماس للدفاع عن مهنة الأجداد والآباء، معلنة بذلك عن رغبة متقدة بكلامها لارتياد البحر والولوج إلى عمقه بحثا عن الرزق الذي يحتكره حسب تعبيرها الغرباء، دافعها إلى ذلك كما تقول الإماراتية الأربعينية عائشة عبدالله الزعابي، هو الجور الذي يلحق بمهنة الصيد من هجران أبناء وحتى بنات هذا البلد الخيِّر.
وإن هذا الوضع المؤلم بالنسبة لي يؤثر بي ويدفعني إلى التفكير بعمل يعيد لهذه المهنة اعتبارها وتقديرها، ويعيد للبحر احترامه وإنسانه الذي ابتعد أو أُبعد لأسباب عدة لكني لا أعفيهم (أبناء وبنات هذا الوطن) من مسؤولية هذا الهجران. وتضيف عائشة ذات التعليم البسيط قائلة: أحمل رخصة مزاولة من بلدية دبي، وأمارس الصيد منذ الصغر كهاوية، لكن الرخصة لا تتيح لي إلا الصيد من على الشواطئ، وبالخيط فقط، ولا يسمح لي باستخدام (القرقور) أو (الليخ) علما أني أعرف كيفية الصيد بهما. وتضيف: أتنقل للصيد من مكان إلى آخر، بين البحر في الممزر والبحر في القرهود وهكذا.وتثمن الزعابي اشتراط بلدية دبي الحصول على رخصة مزاولة الصيد وذلك لكي لا تعم الفوضى بالشواطئ، ولكي تقنن كمية الصيد، على الرغم من وجود بعض التجاوزات من بعض الفئات التي ترتاد البحر ولا يحملون رخصا.
كما تقول: شكلنا في فترة سابقة مجموعة من السيدات كنا نمارس الصيد في فترات منتظمة من الأسبوع، واستمرت المجموعة لعام كامل ثم فرقتنا ظروفنا الاجتماعية والحياتية، ليمارس كل منا هوايته منفردا.
وتشير الزعابي: ما أصطاده من (حاصلة) ليس قليلا في المرة الواحدة وأيضا ليس تجاريا، لكنه يكفي البيت والأهل والجيران لمدى يومين أو ثلاثة. ولا أكتفي بالصيد وإنما أقوم بتجهيز الأدوات بنفسي من خيوط وبِلد و(ترديع) الميادير، وأقوم بتجديد هذه الأدوات كل ستة أشهر.
وتؤكد الصيادة عائشة أنها لم تتعرض لأي حادث أذى أو إصابة جراء التعامل مع البحر والسمك والميادير طوال هذه العلاقة معللة: طالما أتعامل بوعي وحب لهذا العمل فاحتمال الأذى ضعيف، كما أني أتعامل مع الأمر بجدية والتزام حتى لو كنت أمارسه كهواية.
أما عمن يشاركها هذه الهواية فتقول: كان الأولاد يشاركونني هذه المتعة قبل سنوات معدودة، لكن الالتزام بالعمل لبعضهم لاحقا والدراسة لبعضهم الآخر قلل من فرص الخروج معا إلى البحر، أما أنا فما زلت مستمرة بممارسة الصيد وتأمين مئونة البيت من السمك الطازج لعدة أيام، تشاركني في أحيان قليلة كنتي (زوجة ابني).
وتتحدث الزعابي عن مستوى هذه العلاقة بالبحر قائلة لقد أصبح البحر نديمي ومتنفسي قبل أن يكون موردي كما كان منذ عقود، والوقت الذي أخصصه للصيد يغنيني حتى عن تناول الطعام لما يغمرني به من شعور بالسعادة والراحة، وأخصص مرتين إلى ثلاث مرات وأحيانا مرة في الأسبوع للصيد، وآخرها قبل أربعة أيام، حيث عدت بأكثر من ست كيلو جرامات من أنواع مختلفة من السمك.
وتضيف بتأثر: لكن حين أرى كثرة الغرباء ممن يعملون في الصيد كمهنة لهم، وهم تارة مزاحمون لرواده الأصليين وتارة منفردون به دوننا ومحتكرون لهذه المهنة، أشعر بالمسؤولية تجاه بلدي وبحرها وأهلي، ولو امتلكت أو أمتلك اليوم قاربا، لباشرت بالخروج به إلى عرض البحر للصيد وفي الحال، وطبعا في ظل اعتبارات معينة، ولدفعت بالأخوة وحتى الأخوات من أبناء وبنات هذا البلد إلى العودة إليه، وعدم تركه ساحة مفتوحة بمغانمها للغير، وإني أدعوهم لممارسة هذه الحرفة الكريمة والشريفة.
وتضيف الزعابي: لم تعد العلاقة بالبحر علاقة صيد وترويح بالنسبة لي، إنما هي مرحلة مازلت انتظر عبرها فرصة تتاح لي لتحويل الهواية إلى حرفة، لكن عدم الدعم وافتقاري إلى التشجيع من الأولاد بعدما كبروا، وضيق ذات اليد يحولان دون إتمام هذا الحلم، الذي اكتفي به كهواية في الوقت الراهن.
مؤكدة على: ولكوني سيدة فإن ذلك لن يعيق عملي بالصيد طالما أتقيد بالشروط الصحيحة، وطالما خرجت المرأة إلى سوق العمل بجدارة وثقة، فهذا مجال من مجالات العمل، والصيد ليس حكرا على جنس دون آخر طالما وُجدت المقدرة والالتزام، مضيفة: علما أن أولادي فخورون بما أقوم به وحتى أشقائي حين أحمل إليهم شيئا من حاصلة الصيد اليومي. لقد ورثت محبة البحر وتعلمت الصيد من أبي وعمي وقبلهما جدي رحمهم الله.
وتؤكد عائشة الزعابي: إني إلى جانب صيد السمك هوايتي الأولى والأساس فإني أقوم بتحضير العلاجات التقليدية المكونة من الأعشاب حسب الوصفات الشعبية المتوارثة، وأشارك بها في مهرجانات التراث التي تقام في إمارات الدولة، كما إني أنظم الشعر الشعبي ومما قلت في دبي ( ياهبوب الباردِ هبي/ في ديار دبي نسناسه/ شفتوا دبي؟ زاهية بدلّي/ لؤلؤة واحجار والماسه).خ
خيوط وإبداع في الصيد
تتحدث عائشة الزعابي عن أنواع الصيد بالخيط الذي تمارسه قائلة: خيط السفح أو النشّالي، وخيط البلدة، وأفضّل الصيد بالنشالي حيث يطفو الخيط على وجه الماء وتقوم السمكة باللحاق به، حتى تعلق وهذه الطريقة أسرع في خداع السمكة وبالتالي التقاطها للطعم ومن ثم اصطيادها، أما الصيد بالبِلدة فإنه يستغرق وقتا أطول.
حيث تسقط قطعة الرصاص لقاع البحر وقد يعلق أو يختفي (الميدار) بين أعشاب البحر وطحالبه فلا تهتدي السمكة إلى الطعم بسهولة، وأفضّل استخدام العجين والربيان والنغر كطعوم لحداقي أو لصيدي. ولا تكتفي عائشة بأدوات الصيد التقليدية لكن: استخدم الصنارة وأحرص على استخدام الخيوط اليابانية والنرويجية بدءً من قياس 40 وحتى قياس 70 ويعتمد ذلك على حجم السمك، فإن كنت سأصطاد سمك الصافي والبياح فاستخدم له المقاس الأصغر، أما سمك الشعري والنقرور فيحتاج للمقاس الأكبر.
فاطمة الهديدي

